الفرق بين المراجعتين لصفحة: «النقط فوق الحروف»
لا ملخص تعديل |
|||
| سطر ١: | سطر ١: | ||
<center>'''النقط فوق الحروف'''</center> <center>'''الإخوان المسلمون والنظام الخاص'''<br></center> | <center>'''النقط فوق الحروف'''</center> <center>'''الإخوان المسلمون والنظام الخاص'''<br></center> | ||
'''بقلم: الأستاذ/أحمد عادل كمال''' | '''بقلم: الأستاذ/أحمد عادل كمال''' | ||
مراجعة ٠٣:٢٢، ١٠ أغسطس ٢٠١٠
بقلم: الأستاذ/أحمد عادل كمال
بين يدى المؤلف والكتاب
المؤلف هو الأستاذ أحمد عادل كمال مؤرخ الفتوحات العسكرية الإسلامية والكتاب هو النقط فوق الحروف (الإخوان المسلمون والنظام الخاص)
ويمكن لنا أن نترك الكلمات السابقة كما هى فيكون التقديم بليغا موجزا , فالمؤلف معروف للمشتغلين بالحقل الإسلامي, وهو من المهتمين بأمور المسلمين فى النصف الثانى من القرن العشرين. وبدأت صلته بالحركة الإسلامية شابا يافعا ممتلئا بالحماس والتعقل , شديد الغيرة على دينه , عظيم الحزن على حال المسلمين وما انتهوا إليه فى كل البلاد, وفى مصر وطنه بشكل خاص.
وكان ممن تشكل منهم" النظام الخاص" الذى نسب إليه أعداء الإخوان الجرائم والتجاوزات, ولم يكن أحد ليعلم بحقيقة ما نسب إلى هذا التشكيل من أعمال ومبالغات ومغالطات.
فقد كان الكلام من جانب واحد, هو جانب الأعداء, وليس من العدل أن نحكم على قوم بكلام خصومهم فيهم, ولم تكن هناك فرصة لنسمع صوت أحد هؤلاء الذين اتهموا فصمتوا وصبروا صبر المضطر وليس صبر المختار. كانت الظروف فى مصر صعبة وحرجة للمسلمين والأحرار وسائر الشعب, فالبلد يحكم حكما عسكريا دكتاتوريا بالغ العنف والسطوة, ولا يسمح بصوت يرتفع إلا بالتسبيح بحمد النظام وسدنته, وانتهى بهم الحال إلى ما نرى اليوم فى بلدنا وفى البلاد المجاورة من مصائب وويلات.
واستمر الإعلام مكثفا طيلة الأربعين عاما الماضية يصم الإخوان المسلمين بالإرهاب والتجاوز, ولا يستطيع واحد منهم أن يرفع صوته دفاعا وصدا لاتهام. ومن كثرة ما رددته الأبواق المعادية, ومن شدة البطش والإرهاب الذى أوقعته العسكرية الدكتاتورية بالإخوان, وجدنا منهم من صدق وقام معتذرا عما فعله " النظام الخاص".
واختلط الحابل بالنابل وحجبت الرؤية, ولم يعد أحد يملك الحكم الصحيح على الحوادث التى جرت. وصار تاريخ الإخوان المسلمين لغزا من الألغاز ولم يتطوع أحد ممن اشتركوا فى الأحداث بالتاريخ وكتابة المذكرات حتى تفهم الحقائق على وجهها الصحيح. وحتى يمكن أن يكتب التاريخ. وقد كنت واحدا ممن قدر لهم أن يطلعوا على بعض الحقائق عن تاريخ الإخوان المسلمين, وكان ذلك فى الزنازين المغلقة, والأحاديث الهامسة فى غفلة عن الرقباء, ورجال فؤاد علام وأمثاله.
وكنت أتعجب وأتساءل: هل يأتي اليوم الذي يعرف فيه الناس حقيقة الإخوان المسلمين والنظام الخاص؟
وكنت أيامها – رغم ظلام السجن وشدة وطأته – على يقين من دورة التاريخ وأن يوما سيأتي تظهر فيه الحقائق ويعاقب المسىء.
وقد قدر لى أن أرافق الأستاذ أحمد كمال مؤلف الكتاب فى سجون مصر المختلفة, العسكرية منها والمدنية, وكنت فى جواره أعواما سمعت منه الكثير عن تاريخ الإخوان المسلمين. وكنت أسأله عن الواقعة المشوشة المضطربة فى ذهنى من كثرة ما اعتورتها الألسنة بالتحريف والتبديل. فيجيبني بذاكرة حاضرة وذهن صاف, ويذكرها مسلمة لاشية فيها, ولم يكن يحاول أن يدعى البطولة فيما شاهده وشارك فيه من أحداث, بل كان يذكر الواقعة ببساطة وشجاعة ويذكر ما له فيها وما عليه, إن كان فيها ما عليه, بشجاعة وصدق ووضوح.
وكان فى كثير من الأحيان يعتذر عن الحديث فى واقعة من الوقائع ويقول:
- هذه لم يأت أوانها بعد ونحن فى سجن أم تراك نسيت؟
وكان الرجل يفهم التاريخ ويعيه ويذاكره, وقد شغل نفسه به فقد كنا نعيش زمن الأزمات والملمات.
وجعل الرجل مهمته الأساسية أ، يحاول تفسير التاريخ الإسلامى بشكل يخضع لمنطق العلوم الحديثة, ونجح فى هذا بعد جهد أخذ منه سنوات وسنوات. ولعلنا نقول غير مبالغين إنه أول من فسر تاريخ الفتوحات الإسلامية فى هذا العصر, بعد أن كانت طلسما تختلف التفسيرات فيه وتتباين الآراء. وفى صبر وجلد استطاع الأستاذ أحمد عادل كمال بعد دراسة متأنية طويلة أن يضع كل لبنة فى مكانها من البناء, وكان يصبر الليالى الطويلة فى القراءة والفحص ليضع اللبنة المناسبة فى مكانها وقرأ كتب الأولين والآخرين بالعربية وغير العربية, وقرأ فى الجغرافيا والفلك والعلوم وفى أبواب قد تبدو لأول وهلة ألا علاقة لها بتاريخ الإسلام والمعارك, ثم يأتى أحمد عادل كمال فيؤكد لك ضرورتها عندما يكتمل البناء.
وكثيرا ما رأيته يراجع أحوال الطقس والفلك فى أيام معينة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام, فيطلع على المراجع القديمة, ويتصل بدور النشر العالمية , ويسأل العلماء. وكل هذا ليفهم كيف تحرك خالد بن الوليد من العراق إلى الشام على سبيل المثال, فلابد له أن يحيط إحاطة تامة بظروف الحدث. وكنت أقول له أحيانا:
- عليك أن ترجح رواية على أخرى فالبدائل أمامك كثيرة وكان يرد علىّ فى هدوء:
- عندما يكون الأمر له علاقة وصلة بالتاريخ فالنزاهة والعدل ضروريان. فنحن نحقق حوادث قد حدثت منذ عشرات المئات من السنين أو يزيد. وقد نجد من بين أسلافنا العظام من يعاتبنا أمام الله سبحانه وتعالى لإهمال أو تقصير. هذا بالإضافة إلى واجبنا تجاه من يقرأ لنا.
وفى هذه العبارة التى قالها لى الأستاذ أحمد عادل كمال يكمن منهجه فى كتابة التاريخ.
منهج يتسم بالصدق والأصالة وتحرى الحقيقة والتعب فى الوصول إليها. وهذا يطمئن من يقرأ له, فهو مؤرخ صادق يتحرى الصدق فيما يقول ويكتب, ويشاد على نفسه إذا كان الأمر له صلة بالأموات, فما بالنا بالأحياء.
لهذا لا تفاجأ أيها الأخ العزيز وأنت تقرأ كتابة هذا إن وجدت فيه حادثة تدينه, أو تلومه عليها, فالرجل كما قلت لك يكتب بتجرد وصدق, ويستوى أن تكون النتيجة له أو عليه. ولا نستطيع أن نمضى فى الحديث الطويل عن المؤلف ويكفينا الإشارة إلى منهجه فى الكتابة والتفكير. ثم ننتقل إلى الحديث عن الكتاب الذى بين يديك أيها الأخ العزيز.
النقط فوق الحروف ( الإخوان المسلمون والنظام الخاص), هذا الكتاب حافل بالأسرار الهامة المندرجة تحت هذا العنوان الذى قرأت, وهى تنشر لأول مرة عن تاريخ الإخوان المسلمين والنظام الخاص. وقد طال انتظارنا لهذا الكتاب النادر فى موضوعه, لأن كاتبه شاهد على ما حدث, وشارك فى كثير من الأحداث التى جرت.
وهو يتكلم هنا عن موتى وأحياء, وهناك الكثير ممن شهدوا معه هذه الأحداث وشاركوا فى صنعها, فهو لا يكتب عن وقائع قد غاب شهودها, بل يحكى عن أمور يعرفها من شاركه فيها ويستطيعون الرد لو كان فيها ما يستدعى ذلك. فالكتاب وثيقة هامة نادرة, وهى شهادة حى على أحياء وأموات. وتأتى أهمية الكتاب أن صاحبه رجل غير عادى فى هذا الباب,فهو مؤرخ كما قلنا, وكما يعرفه سائر المشتغلين بالحركة الإسلامية وعلوم المسلمين. وهو يحكى فيه كيف تكون" النظام الخاص" ذلك السر الذى ظل غامضا حتى خرج هذا الكتاب إلى النور. ولعله أغضب فى نشره هذا أخوة له أعزاء, كان من رأيهم أن كتابه قد يثير فتنة, فقال قولة الفيلسوف اليونانى:
- " أفلاطون حبيب إلىّ ولكن الحقيقة أحب إلىّ من أفلاطون".
ومن رأيه أننا إن لم نكتب تاريخنا فمن يكتبه عنا؟ هل نترك هذا للأجانب والمستشرقين؟
أم ينبغى علينا أن نكتب مالنا وما علينا, وندع الحكم على كل هذا لله سبحانه وتعالى المطلع على الأسرار, التى يكشف عنها أحمد عادل كمال فيما يتصل بهذا الموضوع. وتأتى أهمية الكتاب كذلك من أ، مؤلفه يضع" النقط فوق الحروف" فى أمور كثر فيها الجدل, وتعددت حولها الآراء, وهو أحد صناعها وشهودها.
معاصر ممارس يعبر عن المنظور الذى رآه, ولكنه يجامل أحيانا, وأحيانا لآخر لايفعل, فيذكر الواقعة كالسيف الصارم فى هدوء وبرود.
وهو رغم اشتركه فى الأحداث محايد وصادق ونزيه, وهى أهمية أخرى تضاف إلى الكتاب.
***
كتاب أحمد كمال الذى بين يديك أيها الأخ العزيز كناب مهم جدير بالقراءة المتأنية, رغم سهولته وطرافته فى كثير من المواضع.
وقد لاحظت أنه لم يتعرض للفتنة التى حدثت في صفوف الإخوان فى مطلع حكم العسكريين إلا فى أضيق نطاق, وهو فى سرد وقائعها وتفاصيلها يدعو إلى الإتحاد والحب فى الله, الأساس الأعظم الذى قامت عليه جماعة الإخوان المسلمين, وهو يحذر من الفرقة والخلاف فى نسج رائع آخاذ. وقد وجدته كتب ردودا موجزة حذرة عن بعض ما نشر ورآه خطأ فى هذا الباب
تحية من عند الله مباركة طيبة لجماعة الإخوان المسلمين التى بدأت تنفض النوم عنها, والتى أنجبت مثل أحمد عادل كمال, ونذكر القارىء العزيز أن هذه هى الطبعة الأولى, وفى الطبعة الثانية أ‘رب لى المؤلف عن استعداده لنشر كل الردود والتصويبات والتعقيبات, وأنا معه فى هذا وأمام الله سبحانه وتعالى لعهد على ذلك. وأترككم للكتاب المثير العجيب الذى طال انتظارنا له.
أحمد رائف
القاهرة فى 24|12|198منقط آخرى على الحروف
من الظواهر المحيرة والتى يعجب لها ويتعجب فيها الكثيرون ذلك التعلق والإرتباط الشديد بدعوة الإخوان المسلمين لدى جميع من عمل فيها, أو انتسب إليها أو حتى مسه طائف منها.. ظاهرة مؤكدة مطردة لا تكاد تتخلف, وهى بالفعل ظاهرة محيرة, تدعو إلى التساؤل والاستفسار ولتنقيب.. ترى هل يمكن أن يرد ذلك إلى إخلاص الرواد الأوائل الذين قادوا التبليغ بها وتجميع الناس حولها؟
أو أنه يرد إلى طبيعتها من حيث كونها دعوة تجدد تراث محمد صلى الله عليه وسلم وتنفى عنه الأوهام والبدع, وتعيد إليه بريقه الأخاذ يوم أن كان وحيا يتلى وسنة تتبع؟
أم أنه يرد إلى أسلوبها الذى كان يزرع الحب بالبسمة الرقيقة يبنى اليقين بالإقناع الهادىء ؟ أم أنه يرد إلى منهجها الذى كان يقوم على تقديم الأهم على المهم وتجاوز الخلافات ورفض الجدل, وربط الناس بالجوهر لا بالمظهر ورفض التزهيد فى الدنيا وهجرها, وتعليم أبنائها معايشة الأحداث¸والانفعال بها والسباحة فى أعتى اللجج؟
أم أنه يرد إلى طريقة التربية فيها والتى كانت تجمع بين الدنيا: تعليما وتثقيفا وتدريبا, وبين الآخرة: وتقوى وإعدادا للقاء الله؟
على كل الأحوال.. فأيا كان المصدر الذى ترد إليه ظاهرة الحب الشديد من اتباع الدعوة لها. فإنها بكل أو ببعض ما سبق من تميز استطاعت أن تستقطب أجيالا عاشوها إلى حد التوحد معها والذوبان فيها. وكان من الطبيعى أن يكون لهذه الأجيال تاريخ صنعوا بعضه بالكامل وشاركوا فى صنع بعضه الآخر. ويكون من الطبيعى والحال كذلك أن يحتاج هذا التاريخ إلى من يرصده ويسجله وينشره ويجلبه. ومن بين الكتب التى بدأ صدورها حول هذا التاريخ كتاب" حصاد العمر" للأستاذ صلاح شادى ثم هذا الكتاب الذى بين يديك" النقط على الحروف" ولقد أثار كتاب النقط فوق الحروف عند صدوره ما يشبه الزوبعة بين البقية الباقية من صفوف الحرس القديم من جماعة الإخوان المسلمين, وبين غيرهم من المشتغلين عموما بالحركة الإسلامية.
لقد تفاوت استقبال الكتاب تفاوتا عظيما بين القبول الراضى بل والمتحمس, وبين النعى على الكتاب إلى حد رفض فكرة إصداره. وأحسب أن المعترضين على فكرة إصداره. وأحسب أن المعترضين على فكرة إصدار الكتاب والناعين على نشر ما جاء فيه من معلومات وأخبار إنما يصدرون عن منطلق استراتيجى يتلخص فى أنه قد يكون كشفا عن أسرار أو أوراق ما زالت مغطاة أو مجهولة بمقدار أو بآخر. وهنا يعن للمرء أن يسأل نفسه: هل كتب الأستاذ أحمد عادل كمال شيئا جديدا لم يكن معروفا من قبل لدى العارفين وهم كثير؟.. والإجابة التى لا يختلف فيها المخضرمون الأحياء المعاصرون أن جل ما كتبه المؤلف, إما أنه قد سبق نشره فى صحف الفترة المعاصرة للأحداث, أو أنه قد تم جمعه وعرضه بل وتحليله ومناقشته فى كتب صدرت منذ أمد بالعربية وغير العربية, ولعل من بينها كتاب إسحاق موسى الحسينى" الإخوان المسلمين.. كبرى الحركات الإسلامية" الصادر فى بداية الخمسينات من هذا القرن, أو أ،ه قد اشتملت عليه وتضمنه أوراق وملفات التحقيق فى القضايا التى عرضه لها الكتاب وتناولها, وهذا يقينا فى أرشيف السلطة. وعند هذه النقطة بالذات قد يطيب لى أن أشير بأن المؤلف كان غالبا ما يستشهد على الأحداث ويسند الرواية إلى نصوص وردت فى أوراق تحقيق القضايا أو الحوادث.
الجديد حقا الذى تميز به الكتاب ووفق فيه توفيقا كبيرا لم يكن المعلومات أو الأخبار أو الأسرار, وإنما كان الربط بين الأحداث وبين ظروفها ودواعيها, والربط بينها وبين المناخ السياسى العام والتداعي التاريخى, ثم وهو الأهم تقديم التفسير الذى ينشده الباحث عن الحقيقة – عن الكيفية التى تمت بها صناعة وصياغة أولئك الرجال" أبطال الحوادث" الذين انفعلوا بإيجابية.. ففعلوا ما فعلوا وذلك فى تقدير الكثيرين هو أهم ما قدمه كتاب النقط فوق الحروف" حيث استطاع أن يرد الأفعال لا إلى المناخ أو الظروف البيئية المعاصرة لتلك الأحداث فحسب, وإنما إلأى طريقة من التربية وأسلوب من الصياغة ونمط من الإعداد.. جعلهم يرفضون الواقع الذليل, ويعملون على تغييره, ويسترخصون الحياة ويقبلون على الموت, إيمانا بما رأوه واجبا دينيا ووطنيا.
لهذا, فإن ما كتبه أحمد عادل كمال بالشجاعة التى كتب بها والتى يستغربها ويحسد عليها من عملوا فى تنظيمات خاصة ويعرفون طبيعتها, إنما يقدم تفسيرا موضوعيا, أدنى ثماره ونتائجه أنه يفتح الباب لتصحيح النظر, والتقويم للأحداث التى أوردها.
يضاف إلى ذلك أن الكتاب يقص أحداثا, ويقص هنا معناها أنه يتتبع وقائع وأفعالا, إن لم يقصها هو الآن وهو حى يرزق, فسوف يقصها – يقينا وبالضرورة – غيره والفرق بين الحاليين هو الفرق بين شاهد العيان وبين الراوى عن وعن.. والفرق أيضا فى جرعة الإطمئنان التى يستطيع القارىء أن يتأكد منها فى ثنايا الكتاب من طهارة المؤلف وعفة لسانه وتجرده وشجاعته . الأمر الذى يدعو مرة أخرى إلى التقدير والإعجاب إلى " المدرسة الخاصة" التى تحية للمؤلف.. ول"المدرسة الخاصة"
وبعد أن قرأت الكتاب أجد أ،ه8 من الواجب على – كمتابع للحركة الإسلامية – أن أشير بأمرين:
الأول: أمانة المؤلف روى شاهدا أو مشاركا, وعفة لسانه فيما كان موضع خلاف أو اختلاف فى وجهات النظر, وشجاعته فيما كنب, وشجاعته فى نقد نفسه أحيانا أو فى التعليق على الأحداث. ثم قبل ذلك كله وفاؤه للموتى وللأحياء الذين زاملوه أو تعهوده بالإعداد والصياغة.
الثانى : تواضعه الشديد, وهو يقدم التحية للنظام الخاص, بالدرجة التى لا تتكافأ أبدا مع الصفحات المشرقة التى قدمها لأبناء تلك " المدرسة" الذين لا يجحد منصف دروهم فى فتح الطريق" للثورة وللتغييرات التى أحدثتها.
ربما خجل الرجل من أن يحيى مدرسته التحية الواجبة التى تستحقها لأنه كان من بين طلابها ونظارها أحيانا, ومن ثم فقد أشفق من أن يوصف بأنه " مادح نفسه".. ولكنه فى هذا ظلم مدرسته التى تميزت فى أقل القليل بأنها:
- خطت الأصول بل والفصول للعمل الوطنى المنفعل بالهموم الحقيقية والمصالح العليا للوطن الإسلامى فى عمومه.
- ترجمت الشعارات والأقوال والخطب والندوات بالواقع, وبذلك فتحت الطريق ومهدته للتغيير الذى حدث.
- حفظت للحركة الإسلامية استمرارها وأبقت على وجودها فكرة شابة.
- فرخت نماذج ما زال من بقى منها حيا قدوة حالت دون اغتيال الحركة الإسلامية – برغم ما واجهته من عنت وملاحقة – وأبقت لها القدرة على التحرك فى زحفها إلى مكانها الطبيعى.
- أنجبت تلك الكتيبة التى ما زلنا نرى بعضها من رهبان الليل وفرسان النهار.
- خطت منهجا جديرا بالدراسة والتحليل فى انتقاء الخامات والعناصر التى تستطيع عمل الرسالة وتحقيق الآمال الكبيرة. وهى قبل ذلك كله وبعده, لم يثبت على أحد من عمدائها المؤسسين بالذات أنه كان طالب دنيا أو صاحب غرض شخصى.
- أما ما يمكن أن ينسب إلى تلك المدرسة من أخطاء معدودة فقد ناقشه مؤلف الكتاب فى سياقه التاريخى الذى إن لم يؤد إلى الغفران, فإنه يؤدى دون شك إلى التأكيد التقدير والإنصاف " لنظام خاص" ملأ الدنيا وشغل الناس وفتح الطريق للتغيير ولم تتعد تجاوزاته خطأين أو ثلاثة, ولعله يجوز لنا فى هذا الصدد أن نذكر أنه من الوارد, أن تقع أخطاء فردية خلال التطبيق العملى وقد حدث فى الصدر الأول أن قتل زيد بن حارثة رجلا كان قد نطق بكلمة التوحيد, فظنه زيد قالها نفاقا.. وقد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الغضب لما حدث ولام زيدا حتى أحرجه.. وتحميل الإسلام أو دعوته مسئولية الخطأ الفردى ظلم عظيم, وأخذ الفكرة أو النظام بالتجاوزات الفردية خطأ شديد.. زمن هنا كان الأمر الذى أدعو إليه بكل شدة هو أن يأخذ المسلمون أنفسهم بمزيد من العلم ومزيد من البصيرة ومزيد من المراجعة لكل ما يقدمون عليه حتى لا يحمل الناس الإسلام بما يتورطون فيه. وأخيرا تحية للمؤلف وتحية للمدرسة التى تربى فيها واله نسأل أن يتقبل عنده الضحايا والشهداء, وأن يصلح للأحياء دينهم ودنياهم وآخرتهم.
الدكتور محمود الأنصاري
الأمين العام المساعد
للإتحاد الدولى للبنوك الإسلامية
إهداء
إلى شهداء الإسلام.. المعذبين فيه
السابقين منهم واللاحقين.
الذين باعوا أنفسهم لله
الذين يريدون وجه الله
الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه,ولا يخشون أحدا إلا الله
التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله رضى الله عنهم ورضوا عنه.
تقديم الطبعة الثانية
" النقط فوق الحروف" ظهرت طبعته الأولى فى المعرض الدولي للكتاب بالقاهرة فى أواخر يناير(1987), فكان رد فعله ايجابيا فوق ما تصورن بصورة أثلجت صدرى, وكأنما كان تعبيرا عن أنفاس مكبوتة عشرات من السنين, فهو يضع أمام أبصار الحاضر والمستقبل صورة الماضى على حقيقتها, بعد أن حاول خصوم الفكرة تشويهها أربعين عاما يتيهون فى الأرض.
ولم تكن ردود الفعل الإيجابية هى ما يهمنى , قدر ما كان يهمنى ما عسى أن يوجه من نقد, أو يستوفى من نقص أو يصحح من وقائع. فكان من الإخوان من رأى أن " النقط فوق الحروف" سابق لأوانه, يكشف أمورا لم يحن الوقت بعد للكشف عنها, وهو رأى لا أتفق معه, إذ إنه من المسلم به أنه لكل سر أجلا, فلا وجاهة لاستمرار حبس حقائق مضت عليها تلك السنون فى وجه انتقادات غير متفهمة ومغالطات مقصودة. ورأى بعضهم حدة فى تصويب بعض الوقائع التى ذكرت على غير حقيقتها فى كتابات أخرى, فى حين رأى آخرون أن أسلوب النقط فوق الحروف كان عفا ومقنعا, وذهب رأى ثالث إلى أنه كان من الواجب أن يكون الأسلوب أكثر حدة! وما رأيت هو ما يجده القارىء هنا, وانتقد فريق قصور الكتاب عن الإحاطة بكل ما يجب,وهو اعتبار أقره وقد أشرت إليه فى مقدمة الطبعة الأولى, وأزيد الأمر وضوحا, فأضيف أن ما بين هاتين الدفتين هو نصف كتاب, أما النصف الآخر فقد ضاع ولا طاقة لى على استعادته, ولا قدرة لذاكراتى تعيننى على إعادة كتابته, بل ولا أستطيع أن أتذكر على سبيل الحصر العناصر المفقودة, وإن كنت أذكر بعضها. كان من بينها تطور النظام الخاص من مراحله الأولى حتى عام(1948) حين جرت إعادة تنظيمه وتوسيعه, ليمتد خارج مصر ويتصل ويتعاون مع الهيئة العربية العليا, لإنقاذ فلسطين ومع تنظيمات أخرى فى العالم الإسلامى : فى تركيا, وبعض دول المغرب, والسودان وغيرها, تستهدف ذات الأهداف, كما كانت تعد للنظام صحافته وإذاعاته ووسائل إعلامه, التى تنطق عنه ووسائله التنفيذية والتصنيعية.
فقد كذلك بعض السرد لقضايا الإخوان فى أواخر الأربعينات ت, مثل قضية الأوكار وحامد جودة, إخفاء محمد مالك, إخفاء يوسف على يوسف وعديد من القضايا الأخرى.
وفقد أيضا أعمال النظام الخاص فى مصر كقاعدة لمتطوعى الإخوان المسلمين فى فلسطين, مثل جلب السلاح والذخيرة, ولوازم الجهاد وإصلاحه وصيانته وإرساله إلى الميدان, والتدريب والإعلام فى الوطن وراء الجبهة, وغير ذلك من الأنشطة المتعلقة بفلسطين.
فقد كذلك ما كان عن معتقلات النقراشى وإبراهيم عبد الهادى فى الهايكستيب والطور وغيرهما. كذلك كان مما ضاع دور النظام الخاص فى القنال والشرقية عام (1951) فى أعقاب إلغاء معاهدة (1936), ووقوف الإخوان المسلمون فى الإسماعيلية وعلى رأسهم الشيخ محمد فرغلى ويوسف طلعت, إلى جانب الشرطة وإمدادها بالذخيرة من مخازن الإخوان فى معركتها الباسلة أمام الجيش الإنجليزى.
أتذكر أيضا متفرقات مثل مشروع مبكر لم يتم تنفيذه لتهريب المجاهد المسلم عبد الكريم الخطابي من منفاه, وغير ذلك مما عسى أن يقوم بتسجيله أصحاب الذكرى والتذكرة.
ومما جاءنى من ملاحظات والطبعة الأولى بالمطبعة على وشك الصدور من الأستاذ ( مصطفى مشهور) بأسلوبه الرقيق فيما يشبه العتاب, أنه لم يطلع على " النقط فوق الحروف" قبل إخراجه عسى أن يكون له رأى فيه. وقد قبلت حقه فى العتاب مع حفظ حقى فى الدفاع.
تصدر وزارات التعليم كتابا فى كل مادة يعتبر هو المادة التعليمية المقررة رسميا, يعرف بأنه" كتاب الوزارة" ويظهر إلى جوار ذلك عديد من الكتب التى يؤلفها أساتذة كل مادة يعرضها كل منهم بأسلوبه وطريقته. وحماعة " الإخوان المسلمون" لم تصدر" كتاب الوزارة" ولم أقصد " بالنقط فوق الحروف" أن يكون كتاب الوزارة أو كتاب الجماعة, وإنما هو رؤية كاتبه ووجهة نظره الخاصة فيما مر به من أحداث,وما أحاط بها من ظروف وملابسات, وفرق بين الكتابتين, فالفرد قد ينحاز إلى وجهة نظره وهذا حقه – ولو أنى حاولت ألا أفعل - والفرد قد يسمح لقلمه أن يتحرر من بعض القيود, أو حتى ينفلت بما قد لا تفعله الجماعة, وعلى سبيل المثال الذى قد لا يغطى جميع المعنى انتقد بعضهم احتواء " النقط فوق الحروف" على صور بعض النساء مثل, ليدى لمبسون حرم السفير البريطانى والممثلة اليهودية كاميليا فى حين أرى أن جميع القراء وبدون استثناء فيما أحسب , يرون أكثر منها آلاف المرات فى الصحف والمجلات يتصفحونها وينظرون إليها كما يرون النساء ذواتهن فى التليفزيون وفى الطرقات والمواصلات. فلم يعد " النقط فوق الحروف" هو كتاب التبرج من أجل الصورتين وكان الأهم عندى أن أضع صور الأحداث أمام القارىء, وربما كان " النقط فوق الحروف" هو الكتاب الوحيد فى موضوعه المزود بالصور حتى تاريخ صدوره, ولكن لو كنت أنا الذى أضع كتاب الجماعة لاستبعدت مثل هاتين الصورتين.
ولما تضمنه " النقط فوق الحروف" من تصويبات وملاحظات على حصاد العمر, فقد ظن بعض الإخوة السوء بين الأخ صلاح شادى وبينى, وأبادر فأنفى ذلك نفيا قطعا, فليس فى قلبى إلا الحب لجميع الإخوان مهما كانت آراؤهم, ويكفينى أن عينى رأسى قد شاهدتا صلاح شادى فى السجن الحربى فى أكتوبر (1954* ينال من عذاب صديقه القديم جمال عبد الناصر النصيب الأوفى حتى انحنى ظهره, وكان انحناء الظهر يحدث لمن تجاوز تعذيبه حدودا تقترب به من الموت, وكنت فى حبس انفرادى فى إحدى زنازين الشفخانة وقد انحنى ظهرى أيضا حين جاء لى صلاح شادى بتفاحة وقطعة من الشيكولاته. وصلت إليه بشكل أو بآخر وسط ذلك العذاب فآثرنى بها ولعله رشا بعض الجنود حتى تصل إلّ, فما كان لى أبدا أن يتغير قلبى نحو أخى.
ولكنه تناول أمورا لعلى أدرى بها منه, وقد بلغ من خطورة ما كتب أن تناقلها عنه حتى كبار الإخوان فمن شأنها أن تدخل التاريخ من تلك الأبواب, وهى أمور خاصة بالنظام الخاص الذى كان تنظيما سريا لا يعرفونه ولا يعرفها من كان خارجه, فما إن كتبها الأخ صلاح حتى تلقفها من وجدها على أنها تاريخ صحيح, وساعد على تقبله ما كان من اختلاف بين عبد الرحمن السندى والأستاذ الهضيبى, ثم فصل السندى من الجماعة, فإن مجرد الإختلاف أو حتى تعديه إلى الفصل, لا يبيح عرض المسلم بغير الحق,ولقد أعلن الأستاذ الهضيبى ذاته فى حينه أن قرار فصل الأربعة ليس من أسبابه ما يمس دينهم, فبأى مسوغ نمس الآن دينهم! ووجدت بين أن أسير مع التيار على علاته, أو أن أؤدى الشهادة, ومن يكتمها فإنه آثم قلبه, ولقد انتظرت سبع سنين دأبا بعد صدور حصاد العمر, أن يفعل ذلك غيرى أو يصوبه فلم يحدث , وصار لزاما على أن أفعل.
واتصل بى الأخ محمد مهدى عاكف, بشأن ذكر اسمه فيمن ذهب إلى بيت الأستاذ الهضيبى بمناسبة قرار فصل الأربعة ونفى أنه كان معهم, بطبيعة الحال هو أدرى بنفسه, وحين أعتمد على ذاكراتى فى شأن كهذا فينفيه صاحب الشأن فهو أعلم به وأدرى وأصدق, وأشكره لهذا التصويب,
وقا ل أستاذ كبير فاضل " هل نفهم من هذا الكتاب أنك تدعو إلى تكوين النظام الخاص الآن؟" قلت:" بالطبع لا". قال:" فإن الأمر يحتاج إلى إيضاح". لقد أنشىء النظام الخاص فى ظروف غير التى نحياها اليوم, فكان مناسبا بل لازما فى زمنه بل رأينا فيه فريضة, وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. كنا فى مصر وفى بلاد المسلمين نعيش تحت احتلال أجتبى واستعمار غير مسلم يفرض علينا ديننا التحرر منه ولو بحمل السلاح, وهو أمر مشروع بجميع الاعتبارات لا ينكره إلا ذليل ولا يجرمه إلا قانون استعمارى. ثم صارت الحكومات الآن فى بلادنا لا يحكمها احتلال, وإنما تخضع لمفاهيمها وأفكارها وما جنته أيديها وسياستها, فإذا لم تكن هذه الحكومات ذات اتجاهات إسلامية ومفاهيم ملتزمة, فإنه يكون من المناسب هنا أن يكون السبيل شعبيا جماهيريا, بنش الدعوة وازدياد الأنصار وحسن السياسة, ومهما كان للسلطة من مواقف معارضة, فلا بديل لها فى النهاية عن نزولها على رأى الأمة, وهذا يقتضى من العمل الإسلامي أن يأخذ بالعلانية إلى أقصى أبعادها, ولا مجال للسرية والتستر. فإن عاد استعمار أو احتلال لأرض المسلمين وجبت العودة إلأى أساليب التحرير.
فى هذه الطبعة الثانية من النقط فوق الحروف" بعض الإضافات ومزيد من الصور, وكما ذكرنا فإن تاريخ " الإخوان المسلمون" لا ولن يجمعه كتاب, فلا بأس أن يكون بكتابنا هذا نقص وأراه مقبولا فالكمال لله وحده.
ديسمبر 1988
أحمد عادل كمال
مقدمة الطبعة الأولى
تحس الجماهير المسلمة التى تتابع العمل الإسلامى, ويهمها الوقوف على حقيقة نشاط الحركة الإسلامية, بحاجتها إلى نشر ما كان من نشاط حركة الإخوان المسلمين فى القرن العشرين, ويزداد هذا الإحساس لدى أولئك الذين يرغبون فى أن يكون لهم نصيبهم فى هذا النشاط ابتغاء وضاء الله وحسن مثوبته.
وقبل أن أسطر حرفا فى الموضوع أحب أن أقول لإخوانى المسلمين – وكل المسلمين إخوانى – إنهم لن يجدوا تاريخ الإخوان المسلمين فى كتاب, فما كان لنشاط كالذى قامت به هذه الجماعة فى تشعبه وتنوعه وأصالته وعمقه واخلاصه وجهاده وانتمائه لعقيدة الإسلام أن يتضمنه كتاب. وليس بين الإخوان جميعا من يحيط علمه كل أنشطة الجماعة , بل وربما لم نجد من بين الإخوان جميعا من يحيط بجانب كامل من جوانب ذلك النشاط, فإذا خرجنا عن دائرة أعضاء الجماعة وجدنا أن الجهل أشمل وأعم. لقد كتب بعضهم عن الإخوان فما وفوا. ولست أزعم أنى أقدم عنا تاريخ الإخوان المسلمين ولا تاريخ جانب كامل مرة منه, ولكنها مقتطفات أو صفحات منه. لقد حرصت أكثر من مرة على تدوين هذه الأوراق, وكان مصدر هذه الرغبة إحساسى أن ما أكتب سوف يسقط من التسجيل ويذهب فى بطون النسيان إذا لم أكتبه, وحسبى أن أحدا لم يكتبه حتى الآن.
لقد كان للإخوان قضايا كثيرة قدمت إلى محاكمات عن أحداث نسبت إليهم, كان صالح الدفاع غالبا فى إنكارها ونفى صلتها بالمتهم موضوع القضية حتى لا يحكم عليه. كما كان بعض من يقع تحت تعذيب وضغوط تفوق طاقته يجعله يلقى الإتهام جزافا. وفى هذا وذاك تضييع الحقيقة وتنطمس العبرة.
كان لنا نشاط أتينا فى ثنياه أفعالا بدوافعها ودواعيها ومبرراتها, ومع ذلك فقد تبرأنا منها فى حينها. وأحداث أخطأنا بها وتقتضى العبرة بيانها. وأحداث لم يكن لنا يد فيها, نسبت إلينا وألصقت بنا وهذا أيضا ينبغى إيضاح ذلك بشأنها.
وليست هذه هى المرة الأولى التى أحاول فيها الكتابة فى الموضوع بل لعلها تكون الثالثة أو الرابعة... وغفر الله لوالدى, دأب على حرقها كلما وجدها رغم الجهد المضنى الذى كنت أبذله فيها, ذلك الجهد الذى يعتمد على الرجوع بالذاكرة إلى الأحداث فى أزمانها, وعلى الرجوع إلى من عاصر تلك الأحداث, ثم الرجوع إلى الصحف التى لم تكن تنشر من الإيضاح إلا قليلا يتمثل غالبا فى رأى حكومات الاستبداد فى عهود مظلمة وشرح وجهات نظرها وإلصاق التهم بالباطل مع تعليقات وفيرة كل غايتها التشنيع والتشهير. ورغم ذلك فلم أستطع فى المحاولة الثانية أن أكتب أكثر من مائتى صفحة فى أكثر من عام ونصف عام. ولقد تناولتها بطريقة الموضوعات لا بطريقة اليوميات أو الحوليات.
واليوم أجد الجهد أشق وأضنى, فالعهد أبعد والذاكرة أضعف والمعاصرون أقل لوفاة من توفاه الله وتفرق كثير من الأحياء فى الأمصار والأقطار. ومعذلك فقد استعنت الله وأمسكت القلم بعد أسبوع من مغادرتى المعتقل عام 1965 . وحتى هذا الذى كتبت تعرض لمحنة أخرى, فقد استولت عليه قوات الشرطة العسكرية فى غارة شعواء لها على منزلى بمناسبة اعتقالى عام 1965وفقدته سبع سنوات قبل أن ألتقى به مرة أخرى وقد ضاع حوالى نصفه. ولكن ما بقى كان حافزا أن أحاول نشره على أى صورة. لا يحب الإخوان اللواء فؤاد توفيق علام لما كان بين مباحث أمن الدولة والإخوان, ولكنى أشكره – ولا يسعنى إلا أن أشكره – لأنه أعاننى على استردادها, أو على الأصح من موقع مسئوليته بمباحث أمن الدولة أعادها لى حين طلبتها. هى التى يجدها القارىء بين هاتين الدفتين مع لمسات طفيفة.
قالوا لى : سوف تغضب الجميع بما تكتب.
السلطة تراك تؤرخ لجماعة تقرر حلها وما زالت تصر على ذلك الحل وبعض الإخوان على الأقل لن يغفروا لك رأيك.
وأبعد من هذا وذاك.. بعضهم يقول لى أكتب كذا ولا تكتب كيت. وأعتذر فأقول ماكان من ذكريات فهو ذكرياتى, وما كان من رأى فهو رأيى, وفى هذا ما كان صوابا فهو صوابى وما كان من خطأ فهو خطىء, ولكنى لا أستهدف به غير الحق وغير وجه الله, أصبت فى ذلك أم أخطأت.
هذه صفحات ينتظرها كثيرون دأبوا على طلبها. وأملى الآن – وهى بين أيديهم – ألا تصدمهم, فقد يجدونها أقل حجما مما كانوا يتوقعون, لن يجد بعضهم التصدى المطول لبعض ما نشر عن النظام الخاص ورائده عبد الرحمن السندى رحمه الله وعديد من كرام الإخوان لما كان بين بعضهم وبعض فيما لابس الجماعة من فتنة, ولكنى ضمنت هذه الصفحات وجهة نظرى ولم أضمنها كل ما أعلم وإذا أمد الله فى العمر فقد أضيف فى طبعات أخرى فى المستقبل, وأرجو أن يكون على هذه الصورة مقبولا عند الله وعند الناس وأن يضيف جديدا إلأى ما سبق أن نشر السابقون أو يصوبه, وأسأل الله أن يوقفنى فيما أكتب.
15 نوفمبر 1986م
أحمد عادل كمال
الفصل الأول: انتماء
تقديم
قبل أن أدخل إلى صلب الموضوع أستميح القارىء أن أقدم كاتب هذه السطور بأسطر قليلة على طريقة الإخوان فى التعارف فيما بينهم فى لقاءاتهم.
فقد ولدت عام 1926 بحى السيدة زينب بمدينة القاهرة لأبوين من أواسط الطبقة المتوسطة. كان أبى موظفا حكوميا بمصلحة الطرق والكبارى, وكنت باكورة إنجابهما ثم أنجبا بعدى أخا ثم أختا ثم أخا بين الواحد منا وأخيه نحو سنتين. لم اختلط بأقرانى ومن هم فى مثل سنى, ولكنى انطويت فى المنزل أعكف على هوايات أستطع مزاولتها بين الجدران. هوين جمع طوابع البريد وقطع العملة الأجنبية والرسم ولعب الشطرنج مع والدى وأخى الأصغر. وبقيت على هذا حتى أخرجنى عن هذه العزلة اتصالى بجماعة الإخوان المسلمين. وإنى لأعجب الآن كيف ينقلب فتى على تلك الصورة بين عشية وضحاها حتى يغشى ذلك المجتمع الصاخب بكل ما فيه من نشاط روحى وثقافى ورياضى وسياسى وحركى علنى وسرى فيسلك سبيله فيه قدما باندفاع شديد فى جميع هذه النواحى. رحم الله إمامنا ومرشدنا ورضى عنه أوسع الرضوان.. إنى مدين له وللدعوة التى هداه الله إلى أن يدعو بها, بكل خير نلته فى حياتى وبكل ما أرجو يوم ألقاه رحمه الله أوسع الرحمة وجزاه خير الجزاء فلم يكن مثله أحد استطاع توجيه طاقة الشباب نحو الهدى والتجرد والعمل للإسلام والفداء. ومدين فوق ذلك لخالق كريم وري أعلى خلق فسوى وقدر فهدى.
كان والدى كبير العناية بتعليمى وتعليم إخوتى. ولقد كانت أسرتنا أسرة تهتم بالتعليم. فكان الوالد يقضى معنا ساعات الليل والنهار الواحد نلو الآخر فى مذاكرة لدروس مدارسنا, وستمر معى على ذلك حتى نلت الشهادة الثانوية(التوجيهية) عام 1942 ثم دخلت كلية التجارة لجامعة فؤاد الأول فتخرجت فيها عام 1946 فى سن العشرين دون أن أفقد عاما واحدا من سنى دراستى.
خلال ذلك اتصلت بدعوة الإخوان المسلمين عام 1942, وتخرجت فى الكلية عام 1946, وعملت بالبنك الأهلى المصرى بعد تخرجى, ثم قبض على فى 15 نوفمبر 1948 لاتهامى فى قضية السيارة الجيب. وبقيت بالسجن إلى مارس 1951, ثم اعتقلت عام 1954 وبقيت بالمعتقل حتى 17 يونيه 1956.. ثم أعيد اعتقالى فى سبتمبر 1965 ضمن من شملهم قرار الرئيس جمال عبد الناصر باعتقال كل من سبق اعتقاله! وبقيت بالمعتقل حتى فبراير 1971 بعد مثواه بين يدى الديان بنحو من أربعة أشهر.
لا أعنى بذلك الكتابة عن شخصى – فهو أمر لا يهم القارىء – وإنما أ‘نى تبيان أثر هذه الدعوة المباركة على يافع عاش قى ذلك الزمن, وكيف كانت تقترب من خارجه حتى توغل إلى شغاف قلبه.
خواجـــات
كانت مصر تمتلىء بالأجانب من كل صنف. منهم الإمجليز الذين كانوا يعملون بالسفارة الإنجليزية والشركات الكبرى مثل شركة شل وغيرها, فضلا عن جنود الاحتلال الذين كانوا يروحون ويجيئون فى كل شارع من شوارع مصر حتى شارع قدسى من حدائق القبة الذى كنا نعيش به كنا نراهم فيه. فى ذلك لوقت من الأربعينيات لم يكن الإنجليز موظفين بالحومة, كان المصريون هم موظفو الحكومة. وكان هناك أجانب من جنسيات أخرى كثيرة أقل مرتبة من الإنجليز, بلغار ويوغوسلاف وإيطاليون وكان أكثرهم من الأرمن والقبارصة واليونانيين.هؤلاء كانوا موظفين بالشركات, لا سيما المساهمة, يملئون وظائفها ويعملون باللغة الإنجليزية أو الفرنسية, ولم يكن المصريون يجيدون غير العربية, فكانت تلك الوظائف تكاد تقتصر على تلك النوعية من الأجانب, وكانت لهم مدارسهم: الفرير والخرنفش والسيكركير.. الخ , هذه الوظائف لم يكن يقربها من المصريين إلا المتفرنجون واليهود. كذلك انتشر هؤلاء الخواجات فى محال البيع مثل شيكوريل وأركو وبلاتشى, وغيرها. وكان لبعضهم محالهم المملوكة لهم, وكثر اليهود بين هؤلاء. كما انتشر الأرمن واليونانيون خاصة حتى أعماق ريف مصر يفتحون أكشاك أو محال الآيس كريم والجبن والبيض والبسطرمة والخمور.
أول الخيط
وقفت أمام واجهة محل " الخواجة" المصور أنظر إلأى طوابع البريد التى كان يتاجر فيها إلى جوار تجارته فى الآفلام والصور وآلات التصوير. وفاجأنى الشاب الواقف إلى جوارى بقوله:
- ألست القاطن فى حدائق القبة؟... بشارع قدسى.
- ...بلى
- هل تهوى جمع طوابع البريد؟
- ....نعم
- وأنا كذلك!
- ......
- هل تحب أن ترى مجموعة طوابعى؟
- ... لا يهم.
- ولكنى أحب أن أرى مجموعتك. إنى أسكن إلأى جوارك.. فى نفس الشارع.
- .....
ضايقنى أن يقتحم إنسان على نفسى كما فعل هذا واستثقلته. ولكنه أمعن فى الثقل فأصر على أن يحملنى خلفه على دراجته إلى منزله ليرينى مجموعه طوابعه. كما أصر بعد ذلك على أن يحضر إلى منزلى ليشاهد مجموعه طوابعه. كما أصر بعد ذلك على أن يحضر إلى منزلى ليشاهد مجموعة طوابعى. ذلك الذى استثقلته هو حسين محمد عبد السميع( دكتور الإقتصاد الزراعى فيما بعد) كان طالبا بمدرسة فؤاد الأول الثانوية بالعباسية, عرفته ثم كان صديقى الأثير نحو سبع سنوات, نكاد لا نفترق.
وجاءت أحداث عام 1942 المتصلة بالحرب العالمية الثانية. وقامت مدرسة فاروق الأول الثانوية بالعباسية- التى كنت طالبا بها – بإضراب لا أذكر أهدافه, كان ذلك فى صبيحة اليوم المشهود الذى حاصرت دبابات الإنجليز سراىٍ عابدين فى ليلته السابقة وأرغمت الملك فاروق أن يسند الوزارة إلى مصطفى النحاس باشا كان ذلك يوم 4 فبراير 1942. كنت فى السادسة عشرة, واستخفتنى المظاهرة فسرت معها إلى ميدان عابدين, وهناك كانت كثير من المدارس تفد إلى الميدان, ومنها كانت جارتنا مدرسة فؤاد الأول. وعثرت وسط زحام ذلك اليوم على حسين عبد السميع فتشابكت يدانا حتى انفضت المظاهرة. وفى هذه المظاهرةٍ طرقت أذنى للمرة الأولى هتافات...
الله أكبر ولله الحمد
الله غايتنا , الرسول زعمنا , القرآن دستورنا, الجهاد سبيلنا, الموت فى سبيل الله أسمى أمانينا وما أحسب أم كان للإخوان صلة بمظاهرات ذلك اليوم , وأغلب ظنى أن أحدهم هتف بها فى ذلك الصخب. سمعت الهتافات فلم أفهمها... إن هتافات" يحيا فلان باشا" أو " يسقط الإستعمار" أو يعيش جلالة الملك" أو مثل ذلك كانت واضحة المعانى, أما " الله أكبر ولله الحمد" أو " القرآن دستورنا" فهو مالم أدركه. وسألتن حسينا.
- ما هذا يا حسين؟
- هذه جمعية فى السكاكينى.
- ولم يزد. ذلك أن اباه الأستاذ محمد عبد السميع الغنيمى كان من الإخوان, وكان ذا نشاط فى شعبة الظاهر بالسكاكينى, فكان أحيانا يأخذه معه إلى تلك الدار فيسمع بها تلك الهتافات. وبعد أن انتهت المظاهرة واتجهنا إلى الانصراف ظهر شخص لست أذكره – صديق لحسين ولعله عرفه فى شعبة الظاهر – سار معنا, أو سرنا معه, من عابدين إلى الحلمية الجديدة, حتى وصلنا إلى دار المركز العام للإخوان المسلمين الذى كان يشغل الدار رقم 13 شارع أحمد بك عمر, وكان يطل على ميدان الحلمية, فوجدتاه محاطا بالبوليس وقد أغلقت أبوابه بالشمع الأحمر. فى الحقيقة لقد كنت متورطا فى السير مع حسين وصديقه إلى مالا أدرى غير أن إلحاحهما وتشبثهما بى منعانى أن أتركهما وأعود بمفردى.
اتجهنا بعد ذلك إلى بيت الأستاذ المرشد العام قريبا من دار المركز العام. وهناك لم نجده, وإنما كان عدد من الإخوان يزيد على الأربعين, ملئوا غرفة المكتبة وقد افترشوا أرضها,ووقف الأستاذ عبد الحكيم عابدين سكرتير عام الجماعة خطيبا فيهم. وأذكر من كلامه يومذاك أن الحالة لا تدعوا إلى القلق وأن فضيلة الأستاذ المرشد يعالج الأمر مع السلطات بحكمته, وأن دور الإخوان لا تلبث أن تفتح وأن يعود نشاطها من جديد. انتهى ذلك اليوم ورجعت إلى بيتى بأول فكرة عن الإخوان المسلمين, لم تكن واضحة بطبيعة الحال, ولا تركت فى نفسى أى انطباع.
ماذا كان فى مصر؟
قد لا يكون خارجا عن الموضوع أن أعود إلى الظروف والمناخ العام الذى ساد مصر فى ذلك الوقت. وكثير من تفاصيل هذه الظروف بل أكثرها لم تكن معلومة لرجل الشارع ولم تكن معلومة لنا, ولكن انعكاساتها جميعا كنا نعيش فيها. ولقد وجدت أن أفضل مصدر لذلك هو مذكرات لورد كيلرن, الذى كان اسمه فيما سبق سير مايلز لمبسون, فقد كان أكثر الناس اطلاعا على كل شىء مما يورد ذكره, وكان كعبة جميع أطراف اللعبة, ثم كان رجلا متعجرفا لا يستحى أن يذكر كل تجاوزاته وتجاوزات دولته على أنها حقوق له ولها. تلك المذكرات ظهرت بعد هذه الأحداث بأكثر من ثلاثين عاما, وأقصد هنا الكتاب العربى" دبابات حول القصر" عن مذكرات اللورد... ولن أطيل
ففى مارس 1941 جاءت قوات ألمانية إلى ليبيا, وقام روميل بهجومة البعيد الذى أوصله إلى العلمين. وتأزم الموقف بين حسين سرى باشا والملك.وقبل أن يقدم حسين سرى استقالته إلى السفير أن يؤجل ذلك حتى يوم الثلاثاء الساعة 12 ظهرا, ثم يقوم لمبسون بمقابلة الملك الساعة الواحدة (بعدها بساعة) يقول لمبسون عن حسين سرى" أنا فى منتهى الإعجاب بإخلاصه وصداقته". وكان حسين سرى هو الذى أوحى إلى ما يلزلمبسون أن يطلب النحاس باشا للوزارة. ثم اتصل حسين سرى بلمبسون أن , وهو يتناول إفطاره يوم الإثنين 2 فبراير 1942, وأخبره أنه لا يستطيع الإنتظار حتى اليوم التالى وأنه سيقدم استقالته إلى الملك الثانية عشرة والنصف ظهرا.
فقام السفير بالإتصال بأحمد حسنين باشا رئيس ديوان الملك وفرض على الملك أن يقابله الساعة الواحدة. وتمت المقابلة فأخبره السفير الملك بالآتى:
1- أنه يجب أن تكون فى مصر حكومة مخلصة لمعاهدة 1936 قادرة على تنفيذها نصا وروحا.
2- أن تكون حكومة قوية وقادرة على الحكم ولها سند شعبى كاف.
3- وهذا يعنى حتما تكليف النحاس باشا بتأليف الوزارة, ويجب طلبه فورا للتشاور معه فى تأليف الوزارة.
4- يتعين أن يتم ذلك قبل ظهر اليوم التالى الثلاثاء 3 قبراير 1942.
5- إن الملك مسئول شخصيا عن أى اضطرابات قد تحدث أثناء ذلك.
وفى صبيحة 3 فبراير 1942 قابل أمين عثمان السفير الإنجليزى وأبلغه أن النحاس مستعد لتولى الحكم إذا ساندنه السفارة, وأن الوفد سيتعاون مع السفارة حتى لو لم تكن هناك معاهدة, وطلب إلى السفير تعليماته بشأن مقابلة النحاس للملك بعد الظهر, فوجهه السفير أن يرفض النحاس فكرة حكومة قومية مؤقتة وأن يقبل الوفد ترك بعض الدوائر الإنتخابية للأحزاب الأخرى.
وقرر مجلس الحزب فى مصر, بحضور السفير, تسليم الإنذار التالى عن طريق أحمد حسنين باشا" إذا لم أسمع حتى السادسة ٍمساء اليوم أن النحاس باشا قد كلف بتشكيل الحكومة فعلى جلالة الملك فاروق أن يتحمل عواقب ذلك التصرف". وذهب لمبسون إلى أبعد من ذلك فأعد وثيقة للتنازل عن العرش ليجبر فاروقا على توقيعها .
وفى السادسة والربع جاء أحمد حسنين إلى السفارة يحمل رسالة: إن الملك بعد أن تسلم الإنذار البريطانى يعتبر انتهاكا خطيرا للمعاهدة المصرية البريطانية ولاستقلال البلاد. ومن أجل هذا السبب وبعد استشارة الزعماء وتعديا على استقلال مصر".
وأجاب لمبسون أنه سوف يحضر لمقابلة الملك الساعة التاسعة. وقبل الموعد بعشرين دقيقة كان لمبسون والجنرال ستون وعدد مهيب من الضباط الإنجليز المسلحون حتى أسنانهم بالقصر, وكانت طوابير الدبابات والمصفحات وناقلات الجنود تأخذ مواقعها حول قصر عابدين.واقتحم لمبسون وستون على الملك حجرته... وبدون اطالة... خضع الملك. وساءت سمعة الوفد بسبب هذا الحادث ثم بسبب انشقاق مكرم عبيد وإصدار الكتاب الأسود بفضائح الوزارة فى أوائل 1943. وكانت صور السفير الإنجليزى مع النحاس باشا أو معه وحرمه تظهر بالصحف المصرية تنطق بالصداقة بينهما, وقد درج السفير أن يتأبط أحدهما أو يتوسطهما. والأعجب من ذلك أن تظهر صورة حرم السفير تضع يدها فى ذراع فاروق!
كان الإنجليز يمنون بهزائم أمام المحور, وكان وجودهم فى مصر يتعرض للخطر, فبعد ذلك بقليل فى مايو 1942 استولى روميل على طبرق وكانت قلعة حصينة للإنجليز, ثم اندفع نحو مصر والجيش الإنجليزى الثامن يفر أمامه فرار أرنب أمام الثعلب.
خيـط آخـــر
بعد أيام كنت عائدا إلى منزلى فصادفت ثلاثة من شبان حينا, طاهر عماد الدين ومحمد هاشم يلحان على عبد المعز عبد الله أن يذهب بهما إلى السينما على نفقاه لمناسبة سيارة تخصه, كأن كان قد نجح فى امتحان أو التحق بعمل لست أذكر,ز ووافق عبد المعز فعادا يطالبانه أن يكون دخولهم السينما فى لوج. وكان اعتراضه أنهم ثلاثة واللوج يكون لأكثر, فلما صادفتهم ألحوا على أن أكون معهم. وفى طريقنا مررنا بشارع السكاكينى فسمعنا أذان المغرب ينبعث من أحد بيوت الشارع.. كان المؤذن يرتدى البذلة ولم يكن شيخا وكان يؤذن من الشرفة. وقال عبد المعز إنه لهذه المناسبة – موضوع الدعوة – عزم على الصلاة فأستاذنا دقائق ريثما يؤدى صلاة المغرب ويعود . وانتظرناه بالخارج ولكنه غاب فى المنزل وطال بنا الانتظار دون أ يخرج حتى أصابنا الضجر, ثم خرج لنا شاب لم نكن نعرفه – عرفناه فينا بعد الأخ بسيونى – فقال" تفضلوا يا إخوان" وألح علينا فى الدخول. قلنا إننا فى إنتظار صديق يصلى ولا يلبث أن يخرج فأجاب بأن صديقنا ينتظرنا بالداخل.
كان المكان بيتا ذا طابقين. الأرضى فقط هو الذى كان شعبة الإخوان المسلمين بالظاهر. كانت عبارة عن صالة وثلاث غرف وفناء كبير به بعض الملاعب لكرة السلة والملاكمة والمصارعة ومكان للجوالة ومكان آخر للصلاة كما كان به تكعيبة عنب بها مصباح كهربائى تصلح للجلوس وعقد الاجتماعات تحتها. وكان عبد المعز جالسا على دكة من الخشب فى ركن من أركان الصالة وقد جلس معه أحد" الإخوان" يلقى عليه درسا أو موعظة !, ولفت أنظارنا ما علق على الجدران من لافتات عليها بعض عبارات أو مبادىء الجماعة وصور لفضيلة الأستاذ حسن البنا, ضى الله عنه وأرضاه. وذهبنا ننظر ونتطلع إلى تلك المعلقات دون أن ندرك حتى وقتها أن الإخوان حين دعونا للدخول إلى شعبتهم إنما أدخلونا إلى الطريق التى أمسكت بنا لنصبح بعد ذلك " إخوانا مسلمين" من تلك المعلقات أذكر على سبيل المثال إطارا من الخشب احتوى هذه النشرة.
عقيدتنا
1- أعتقد أن الأمر كله لله, وأن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم رسله للناس كافة. وأن الجزاء حق, وأن القرآن كتاب الله, وأن الإسلام قانون شامل لنظام الدنيا والآخرة.
وأتعهد بأن أرتب على نفسى حزبا من القرآن الكريم, وأن أتمسك بالسنة المطهرة, وأن أدرس السيرة النبوية وتاريخ الصحابة الكرام.
2- أعتقد أن الإستقامة والفضيلة والعلم من أركان الإسلام.
وأتعهد بأن أكون مستقيما أؤدى العبادات وأبتعد عن المنكرات, فاضلا أـحلى بالأخلاق الحسنة وأـخلى عن الأخلاق السيئة وأـحرى العادات الإسلامية ما استطعت, وأؤثر المحبة والود على التحاكم والتقاضي, فلا ألجأ إلى القضاء إلا مضطرا, وأعتز بشعائر الإسلام ولغته, وأعمل على بث العلوم والمعارف النافعة فى طبقات الأمة.
3- أعتقد أن المسلم مطالب بالعمل والتكسب, وأن فى ماله الذى يكسبه حقا مفروضا للسائل والمحروم.
وأتعهد بأن أ‘مل لكسب عيشى, وأقتصد لمستقبلى, وأؤدى زكاة مالى, وأخصص من إيرادى لأعمال البر والخير, وأشجع كل مشروع اقتصادى إسلامى نافع, وأقدم منتجات بلادى وبنى دينى ووطنى, ولا أتعامل بالربا فى شأن من شئونى, ولا أتورط فى الكماليات فوق طاقتى.
4- أعتقد أن المسلم مسئول عن أسرته, وأن من واجبه أن يحافظ على صحتها وعقائدها وأخلاقها.
وأتعهد بأن أعمل لذلك جهدى, وأن أبث تعاليم الإسلام فى أفراد أسرتى, ولا أدخل أبنائى أية مدرسة لا تحفظ عقائدهم وأخلاقهم, وأقاطع كل الصحف والنشرات والكتب والهيئات والفرق والأندية التى تناوىء تعاليم الإسلام.
5- أعتقد أن من واجب المسلم إحياء مجد الإسلام بإنهاض شعوبه وإعادة تشريعه, وأن راية الإسلام يجب أن تسود البشر, وأن من مهمة كل مسلم تربية العالم على قواعد الإسلام.
وأتعهد بأن أجاهد فى سبيل هذه الرسالة ما حييت, وأوضحى – فى سبيلها بكل ما أملك.
6- أ‘تقد أن المسلمين جميعا أمة واحدة تربطها العقيدة الإسلامية وأن الإسلام يأمر بالإحسان إلى الناس جميعا.
وأتعهد بأن أبذل جهدى فى توثيق رابطة الإخاء بين جميع المسلمين وإزالة الجفاء والإختلاف بين طوائفهم وفرقهم.
7- أ‘تقد أن السر فى تأخر المسلمين ابتعادهم عن دينهم, وأن أساس الإصلاح العودة إلى تعاليم الإسلام وأحكامه, وأن فكرة الإخوان المسلمين تحقق هذه الغاية.
وأتعهد بالثبات على مبادئها والإخلاص لكل من عمل لها, وأن أظل جنديا فى خدمتها أو أموت فى سبيلها.
لم يشأ الإخوان أن يتركونا نشاهد ما على الجدران ثم ننصرف... فأعدوا لنا على عجل بعض المقاعد أتوا بها من الغرف ووضعوها إلى جوار عبد المعز, ثم دعانا الأخ بسيونى إلى الجلوس معهم. وما أن جلسنا حتى أخذ يخبرنا عن اسمه وعمله وعنوانه – كما فعلت فى التقديم السابق- ثم سأل كلا منا عن مثل ذلك فأخبرناه. وراح يسترسل فى شرح دعوة الإخوان... ما هيتها وفكرتها وغايتها ووسيلتها...الخ وكنت أقول لنفسى طوال حديثه ومالنا وكل هذا؟ أنا ما خرجت من بيتى لأسمع هذا الحديث. ولا حتى لأذهب إلى السينما, فلا أنا ذهبت إلى السينما ولا أنا مكثت فى بيتى. ماذا يريد هؤلاء الناس؟ الإخوان المسلمون!؟ يتحدث أخونا عن الإسلام وإعادة مجد الإسلام والإتصال بالله وتطهير النفوس... فماذا يريدون منى؟
كان الأخ بسيونى كلما أحس أنه سرح بنا فى الحديث يسألنا عما إذا كان حديث معقولا وعما إذا كنا نوافق عليه؟ وكان كل همنا أن ننتهى لننصرف, فكنا كلما سألنا وافقنا وأجبنا بالإيجاب. وأخيرا قال لنا:" إذن ما دمتم توافقون على فكرتنا وتتجاوبون مع مبادئنا فأنتم منا وتحت إخوانكم!" قلنا" كيف"؟
قال" أنتم الآن من الإخوان المسلمين, لأن الإخوان المسلمين هم الذين يؤمنون بما آمنتم بع الآن".
قلت" هل تريدون اشتراكا؟ وكم مبلغ الإشتراك؟"
قال"لا,لا, إن المال لا يهمنا, كل ما يهمنا هو ذلك الإخاء الذى يرضى الله به عنا, ولا يهمنا إلا هذا الإتفاق ثم أن نراكم بعد ذلك كثيرا...
سرنا أن نصل إلى شىء ما ... إلى أى شىء نخرج به من هذه الشعبة. غير أنه قبل أن يختم حديثه دعا أحد إخوانه وطلب إليه أن يحضر لنا استمارات انضمام فملأها لنا, وكانت تتضمن بيانات عن أسمائنا وأعمارنا وأعمالنا وعناوين بيوتنا ووقعنا عليها, وظننا أننا نستطيع أن نذهب.
ولما وقفنا لننصرف قالوا لنا عندهم محاضرة يسرهم جدا أن نسمعها وأن نحضرها معهم, والتفوا حولنا كل يحبذ لنا حضور المحاضرة. كانت فصلا من مدرسة رصت به القمطرات. وكان محاضر الليلة الشيخ محمد جبر التميمى. وحضر معنا تلك الليلة الأستاذ عبد السميع الغنيمى وكان معه نجله حسين.
ما زلت أذكر تلك المحاضرة, موضوعها وألفاظها. ولقد كانت مادة للتهكم بعد انصرافنا, وقد أدار دفة التهكم زميلانا محمد هاشم وطاهر إذ كانا يتميزان بالفكاهة والمرح. وظلا طوال الطريق إلى منازلنا يضحكان على السينما التى أردناها فانقلبت إلى محاضرة فى السمع والطاعة ودرس فى المواعظ والاعتبار. لقد صرنا جميعا بعد ذلك إخوانا مسلمين ما خلا الزميل هاشم الذى لم يمكث بالإخوان إلا قليلا. أما تلك الليلة بالذات فقد ذهبنا وليس فى عزمنا أن نعود. إننا لم نؤمن بشىء, وكل ما سمعنا فى ليلتنا تلك لم نأخذه لمأخذ الجد
إصــــــــــرار
ومضت أيام. ثم زارنى حسين فى منزلى ومعه خطاب لى من شعبة الظاهر يقولون إنى التقيت بهم وارتبطت معهم على هذه الفكرة ثم غبت عنهم وقد شغلهم غيابى (!) فإذا لم أزورهم فى وقت قريب فسيكون من واجب لجنة الزيارات بالشعبة أن تزورنى للاطمئنان على
غاظتنى فكرة أن تزورنى تلك اللجنة وأنا حتى ذلك اليوم لا أكاد أزور أو أزار وبهذا الدافع وحده راودتنى نفسى أن أزور الشعبة مرة أخرى حتى لا يزورنى أحد.لم أكن أكره الإخوان ولم أكن منكرا لدعوتهم, غير أنهم كانوا يعاملونني بخلاف ما ألفت, فاتفقت مع حسين على موعد تذهب فيع معا إلى شعبة الظاهر بالسكاكينى.وفى الموعد كنا هناك. صلينا المغلاب ثم مدن لنا الحصر تحت تكعيبة العنب فجلسنا, وكنا نحوا من أرعين طالبا أترابا فى السن, أقرانا فى الدراسة, أشباها فى كيف الحضور. وما زلت أذكر من نلك المجموعة من دخل معى الجماعة وسرنا معا بعد ذلك فى صفوف الإخوان. كان محاضر الليلة الأستاذ محمد الخضرى وكان نائب الشعبة – يعنى رئيسها بلغة الإخوان – كان الخضرى دفاقا بالحماس, فياضا بالمعانى الروحية, غزير المادة, مؤثرا إلى حد كبير فى سامعيه. وكان حديث الليلة يدور حول الأمل والاطمئنان إلى نصر الله, وأننا لسنا يائسين مع سوء حال المسلمين وانصرافهم عن شريعتهم من أن نعيد مجد الإسلام وأن نرشد المسلمين إلى أنوار دينهم وأضواء إسلامهم ومنهل ربهم, وأننا لسنا صغارا كما كنا نظن بأنفسنا بل إننا كبار وكبار جدا. فلئن كنا صغار السن فإننا كبار القلوب والله تبارك وتعالى يقول فى حديثه القدسى الذى يرويه عنه نبيه صلوات الله وسلامه عليه" ما وسعنى أرضى ولا سمائى ولكن وسعنى قلب عبدى المؤمن." فنحن كبار برضاء الله عنا, ونحن كبار باتصالنا بهذه الدعوة التى كتب الله النصر والعزة لأصحابها" ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون." " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد."" وما النصر إلا من عند الله". فمفتاح النصر بأيدينا" إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".. وإنه من التفريط فى حق هذه النفوس الكبيرة أن تستصغر شأ،ها, ومن الإسفاف فى جنب أنفسنا أن نستهين بها, أو أن نقبل العيش على هامش الحياة غثاء كغثاء السيل, أو زبدا يذهب جفاء, بينما يتصدر للتصرف فى البلاد والعباد ألوان الناس وأحطهم وكل أبتر من هدى الله.
وعيت كل كلمة قالها الخضرى فغاضت إلى أغوار قلبى وأعماق نفسى, حتى أنى أعتبر تلك الليلة بل هذه اللحظات بالذات هى موضع التحول الحقيقى فى اتجاهى كله لقد كان يحدثنا بآيات الله وأحاديث رسوله وحاشا لله سبحانه وتعالى أن يرسل رسوله بإفك من القول وكذب من الحديث ولغو باطل من الوعود.
وقبل أن ننصرف من ذلك الدرس الموفق حقا وزعت علينا قصاصات من الورق ليكتب كل منا خواطره أو مابدا له أو أى اعتراض أو اقتراح أو استفهام وليس يلازم أن يكتب اسمه, وأفهمونا أن ملاحظاتنا سوف تكون محل اهتمام واعتبار. وكنت قد أتعبنى طول الجلوس على الحصيرة أكثر من ساعة ونصف فآلمتنى الجلسة التى لم أعيدها, وكانت هذه خاطرتى التى سطرتها ولم أوقع باسمى. وبعد نحو من عام – وكنت قد صرت من صميم الإخوان – علمت أن هذه القصاصة قد نوقت فى مجلس إدارة الشعبة وانقسم المجلس بشأنها, ففريق رأى أن الجماعة لا تستجدى الهداية للناس فمن شاء أن يحضر ويجلس على الحصير فيها, ومن ترفع وتكبر وطغى وآثر الحياة الدنيا فإن الحجيم هى المأوى(!)
ولا حاجة بالشعبة إليه. بينما رأى فريق آخر أنه يلزم لانتشار الدعوة اجتذاب الناس بالحسنى والحكمة والقول اللين, فإذا كان بعضهم يتعبه الجلوس على الأرض فلا ضير من أن يجلش على الكرسى وهى متوافرة بالشعبة. جلس بعد عام مع جمع من الإخوان نتذاكر لقاءاتنا الأولى فذكرت أمر القصاصة, فهب واحد منهم يقول " أنت صاحب القصاصة؟" قلت " نعم" قال" "لقد كان من أمرها كذا وكذا, وكنت حينذاك من المتمسكين بفكرة الحصر, ولكنى الآن أؤمن بالكراسى, إذ لولاها لربما كنا قد فقدناك". أما فى حينها فقد جمع الإخوان بين الرأيين, وفى اليالى التالية فرشوا الحصر ورصوا الكراسى والدكك من حولها, فمن شاء أن يفترش الحصر فعل, ومن شاء القعود على المقاعد جلس دون كلفة.
أردت بهذه القصة أن أبين عن نوعى التفكير والعقلية اللذين كانا بالإخوان فى حينها وربما فى كل أحيانها بعد ذلك, النوع اللين المرن والنوع الصلب المتمسك.
وتوالت الليالى وتعاقبت أتردد على دار الشعبة للإخوان المسلمين بالسكاكينى, وكانت تبعد عن منزلنا نحو نصف ساعة سيرا على الأقدام. وبدأنا نتلقن معانى الدعوة ونتذوقها معنى بعد معنى من محاضرات الخضرى المستمرة كل ليلة تقريبا, فإذا غاب الخضرى لسبب أو لآخر ناب عنه أى من إخوان الشعبة وكان منهم من يجيد الحديث ومنهم من لا يجيده, وهذا الصنف الأخير كان يعتمد على كتاب من الكتب أذكر منها رياض الصالحين وإحياء علوم الدين. وكانت أحاديث الليالى هذه تتناول الإسلام كفكرة ربانية ورسالة من الله لمن خلق على سطح الأرض . وعن الجهاد فى سبيل الله, وعن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, وعن الحب فى الله والتآخى عليه والتزاور فيه, وعن مجالس الذكر والعلم وفضلها وأبها, وعن البذل لله, وعن التمسك بشرع الله وأخذ الأنفس بسنة نبيه, وعن قيام الليل وإتقان الصلاة وصيام النهار, وعن غض البصر وحفظ الفرج... وعن... وعن... محصول ضخم من معانى الإسلام الرحب الفسيح الذى أحاط بكل شىء وتناول كل نواحى الحياة وصدق الله العظيم" ما فرطنا فى الكتاب من شىء".
مـع الدعـــوة
أينا كنا من كل هذا؟ وكيف غفلت الأمة هذه القرون الطوال عن رسالتها التى ختم الله بها الرسالات جميعا؟ أخذت أسترجع ذلك كله – كلما رجعت من الشعبة – طوال الليالى حتى مطلع الصبح, أتأمل الأهداف التى حددها الإخوان فى اختصار جامع وتركيز دسم...
نكوين جيل مسلم من الناس يفهم الإسلام فهما صحيحا ويطبقه على نفسه... تحرير الوطن الإسلامى العام من كل سلطان أجنبى....
إقامة دولة مسلمة فى هذا الوطن الإسلامى تطبق أحكام الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هذه هى الأهداف الثلاثة التى ينتظمها جميعا مبدأ من كلمتين:
"الله غايتنا"
عرفنا الإسلام نظاما شاملا للحياة جميعا فهو دعوة صادقة ودولة, عبلدة وقيادة, مصحف وسيف, جيش وفكرة, وهو عقيدة صادقة وثقافة وقانون, ومادة وثروة, ورحمة وعدالة...
سبحان الله... شتان مابين حقيقة الإسلام ولبه, وما زحم الطرقات من مواكب الصوفية ودجل أهل البدع. لقد كانت أذهاننا قبل ذلك تخلط خلطا غير صادق وهو أبعد ما يكون عن الواقع والحق – بين الإسلام كرسالة وعقيدة وبين التمائم والرقى, فعرفنا أن ليس فى الإسلام التمائم ولا رمل ولا ودع وليس فيه رجال للدين وآخرون للدنيا, وإنما كل المسلمين أمام الله سواء, وكل المسلمين رجال دين وكلهم رجال دنيا, فالمسلم مطالب أن يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا, وأن يعمل لآخرته كأنه يموت غدا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أمته فيقول" ليس خيركم من ترك دنيا لآخرته ولا من ترك آخرته لدنياه ولكن من أخذ من هذه وهذه." وكتاب الله تبارك وتعالى ينطق بالحق فيقول " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة, ولا تنس نصيبك من الدنيا, وأحسن كما أحسن الله إليك, ولا تبغ الفساد فى الأرض."فالإسلام ينكر أشد الإنكار انقطاع قوم للعبادة والصلاة فى الخلوات والتكايا, وانطلاق الآخرين للعربدة والتسكع والإغتراف من ملذات الدنيا ومباهجها. فلا يقرب العبد من ربه غير عمله, فلا وساطة من علماء ولا من صالحين, سواء كانوا أحياء أو أمواتا, فالتوسل بغير الله جهل وضرب من الشرك" وأن ليس للإنسان إلا ما سعى, وأن سعيه سوف يرى, ثم يجزاه الجزاء الأوفى" فكلنا رجال دنيا وكلنا أيضا رجال دين.
عرفنا أن لب الإسلام عقيدة التوحيد فلا يقبل الشرك من أى نوع أو لون. ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعوا" اللهم إنى أعوذ بك من أن أشرك بك شيئا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه." فلا عبادة أوثان ولا عبودية لأشخاص ولا انصياع لهوى. فالاستخذاء للكبراء والانحناء للحكام ليس من الإسلام, يقول صلى الله عليه وسلم " لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا." ونهى عن تشييد الأضرحة والصلاة إليها ولو كان المدففون بها نبيا من أنبياء الله, وقال" لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وحرم صناعة التماثيل للسبب ذاته. كما اعتبر الإسلام اتباع الهوى خلافا لشرع الله نوعا من الشرك فقال" أفرأيت من اتخذ إلأهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة". كانت الشعبة مدرسة غاية فى البساطة, ولكنها كانت تلقى من الدروس أجلها وأعظمها, ولقد عرفنا أيضا أن الدين يؤخذ من نصوصه, وأن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار. وفى النص القرآنى" إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" فمن آمن بهذه الدعوة ورضى العمل لها فليكن مستعدا للبذل والتضحية... التضحية بماله وبنفسه ودمه وروحه وبراحة باله وطمأنينة حاله, وبحاجة آله ووالديه وعياله... عليه أن ينظر إلى هذه الدنيا كشجرة استظل بها ثم تركها ومضى" واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فاصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شىء مقتدرا. المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا".
فــارق
أجلت فكرى فى هذا... فوجدت أن الغاية العليا الأسمى لعامة الناس الذين يعملون لغاياتهم" باستقامة" هى لقمة العيش. وهى نفس الغاية التى لا تتعداها أذهان الأنعام وقلوبها. لقد كنا فى طريقنا إلى السينما سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا. وأدركنا أن سابق أيامنا كانت ضياعا يأباه الله على عباده" ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون" عرفنا أن ستقف فى وجوهنا طواغيت الأرض جميعا, كما وقف من قبل فرعون وهامان والنمرود وطغاة قريش لرسالة الحق والهدى. واليوم ما أكثر الطغاة وما أكثر الطواغيت. هذه قوى الاستعمار والصهيونية والصليبية والخيانة والجهالة ممن يزعم الإسلام.. كل ذلك سوف يلبس لنا أردية الإباحية والإلحادية والنفاق والاستبداد والاضطهاد وسيف المعز وذهبه.. وليس معنى ذلك أن ستقف تلك القوى فى سبيل الدعوة بعيدا عنا, فقد صرنا نحن الدعوة والدعوة نحن, وإن تحطيم الجماعة يستلزم تحطيمنا بأشخاصنا وأجسادنا.. كل ذلك ذكره لنا أساتذتنا من الإخوان فاستخففنا به واستهنا, وقبلنا أن نواجه كل أولئك بما ندرى وما لا ندرى مما سوف سيجيئوننا به, وعلى وجوهنا بسمة الرضا, وملء قلوبنا حرارة الإيمان وبرد اليقين, فلئن كانت تلك القوى فى أعين الناس كبيرة فالله أكبر وأجل. ولم لا؟ وماذا علينا وقد آمنا؟ وأى ضر نتظرنا؟ القتل شهادة, والسجن خلوة, والنفى سياحة, والتشريد هجرة, فماذا؟! كل عذاب بأجره وكل ثبات بثوابه فمرحبا بالآلام.. وبالابتسام.
كنا نعيش فى بلد يجثم على أنفاسه الاحتلال الإنجليزى ويتولى أموره ملك فاسد وحكومات هزيلة ضعيفة بعدت عن الإسلام كل بعد.
أمــــل
كانت آمالنا لا حدود لها, فكنا نؤمل كل شىء. نؤمن أن دعوتنا ستنتصر وأننا سوف نهزم جميع أ‘دائنا وخصومنا وكل من نحدثه نفسه أن يقف فى سبيلنا المقدس.
قرأ بعض الإخوان خبرا من جريدة يومية أن طائرات الألمان شنت غارة على لندن وأنها أصابت البرج الشهير لساعة بج بنbjg ben بقنابلها... وكان يجلس الشيخ عبد اللطيف الشعشاعى – وكان رجلا ضريرا من كرام الإخوان – فبان عليه الحزن الحقيقى والأسى. فعجبنا, وسأله سائلنا عما به وعما يهمه من أمر بج بن؟ فقال بلهجة كلها الجد" كنت أريد أن أؤذن من فوق ذلك البرج يوم فتح لندن!" قلنا بمرح ودعابة" فأذن من فوق غيره!" قال فى إصرار " كنت أريد أم أؤن من فوق هذا". ضحكنا... غير أن أعماقنا كانت تقول" ربما... فمن يدرى!" لعلنا فى يوم نفتح لندن!!
هذا الأمل الواسع العريض كان مستمدا من الثقة بالله. وامتلأت قلوبنا بأن القوة لله جميعا, وأن جميع قوى الأرض تهون أمامنا إن حاولت أن تنال من عقيدتنا "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" وما دمنا ننصر الله فالله ناصرنا. ولقد كان الأستاذ المرشد عليه رحمه الله يستشهد بالتاريخ على تعبيره الجميل" أحلام الأمس حقائق اليوم وأحلام اليوم حقائق الغد".
كنا نحيا بعقيدتنا ونأمل الخير فيها وندعوا الله ا، نموت عليها, ونحس فيها بكل متعة وجمال وسعادة, ونأسى لإخواننا المسلمين الذين لم يروا ما رأينا ولم يؤمنوا بمثل ما آمنا به, وكنا نقول لمن يريد أن يثبط فينا هذا الأمل:
منى إن تحققت تكن أعذب المنى
- وإلا فقد عشنا بها ومنا رغدا
هذه مهمتنا
لقد ذكر الأستاذ المرشد آية من كتاب الله وصفها فى رسالة " إلى أى شىء ندعوا الناس" بأن لخص فيها مهمة المسلم فى الحياة" يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون, وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم, وما جعل عليكم فى الدين من حرج, ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل. وفى هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم, وتكونوا شهداء على الناس.
فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم, فنعم المولى ونعم النصير"
ثم عقب على الآية فقال" هذا كلام بيّن لا لبس فيه ولا غموض. ووالله إن له لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإنه لواضح كالصبح ظاهر كالنور, يملأ الآذان , ويدخل على القلوب بغير استئذان, فهل لم يسمعه المسلمون قبل الآن؟ أم سمعوه ولكن على قلوب أقفالها فهى لاتعى ولا تتدبر؟!". ثم يقول" أيها المسلمون, عبادة ربكم والجهاد فى سبيل التمكين لدينكم وإعزاز شريعتكم هى مهمتكم فى الحياة. فإن أديتموها حق الأداء فأنتم الفائزون وإن أديتم بعضها أو أهملتموها جميعا فإليكم أسوق قول الله تبارك وتعالى " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق".
ولهذا كان من أوصاف صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم" رهبان بالليل فرسان بالنهار" يقوم ليله فى محرابه يقول: يادنيا غرى غيرى, فإذا دوى نفير الجهاد رأيته على صهوة جواده يصول ويجول ويفلق الهام.
إعـــداد
ويستمر الأستاذ فى شرح فكرته فيقول: إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادىء تحتاج من الأمة التى تحاول هذا أو من الفئة التى تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل فى عدة أمور
إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف, ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والإنحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره.
على هذه الأركان الأولية التى هى من خصائص النفوس وحدها, وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبنى المبادىء وتتربى الأمم الناهضة وتتكون الشعوب الفتية وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنا طويلا. وكل شعب فقد هذه الصفات الأربع, أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه, فهو شعب عابث مسكين لا يصل إلى خير ولا يحقق أملا. وحسبه أن يعيش فى جو من الأحلام والظنون والأوهام" إن الظن لا يغنى من الحق شيئا", هذا هو قانون الله تبارك وتعالى وسنته فى خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
هكذا كان يهزنا ذلك الأستاذ المربى العملاق ليوقظنا من سبات هذه الأمة العميق. إنه لا ينكر أهمية الإعداد المادى من المال والعتاد وآلات الحرب والقتال – وهو قد أعد منها ما استطاع – ولكنه يرى, ورأيه الصواب, أن أهم منه وألزم القوة الروحية من الخلق الفاضل والنفس النبيلة والإيمان بالحقوق ومعرفتها والإرادة الماضية والتضحية فى سبيل الواجب والوفاء الذى تنبنى عليه الثقة والوحدة وعنهما تكون القوة.
الإنسان روحا وخلقا هو البداية وهو النهاية. وما زالت أزمتنا فى النصف الثانى من الثمانينيات أزمة أخلاق. ليس خروجا أن أعبر أحد عشر عاما... حين استتب الأمر للثورة وتسلطن جمال عبد الناصر, راح يسأل رؤساء أحزاب مصر عن رأيهم فى الإصلاح من أين يبدأ؟. ووجه هذا السؤال إلى الأستاذ حسن الهضيبى مرشد الإخوان, فأجابه ا، الإصلاح لابد أن يبدأ بالأخلاق. وكانت هذه الإجابة الصحيحة الواعية صدمة لجمال.
قال: لا... هذا طريق طويل لاننتظره. قال الأستاذ الهضيبى: فماذا تريد؟
قال جمال: أريد أن أضغط على زر فيحدث ما أريد!
ويمضى الزمن خمسة عشر عاما وتأتى الهزيمة المنكرة عام 1967 ويقف جمال خطيبا وقد نسى ما قال من قبل فيقول: ماذا أصنع؟ لا أستطيع أن أضغط على زر فيحدث ما أريد.
هذا الذى جهله جمال رئيسا تعلمناه صغارا على مائدة الإخوان. لم ننسه وأرجوا ألا ننساه وأرجو كل من يتصدر لدعوة الإسلام أن يأخذ نفسه به.
معان كثيرة كثيرة... كلها كانت جديدة على عقولنا وأذهاننا. لم تتفتح لها قلوبنا قبل أن يبصرنا بها الإخوان. وإنها لمعان ضخمة وجليلة, لو ذهبنا نتحدث عنها لاتسعت أمامنا الصفحات ولخرجنا بهذه السطور عن مقصودها وهى وفيرة فى رسائل الإخوان التى كتبها الأستاذ المرشد رحمه الله وفى خطاباته, نجدها فى رسائل" التعاليم" وبين الأمس واليوم" و تحت راية القرآن" و"دعوتنا فى طور جديد"و" رسالة المؤتمر"و" المؤتمر الدورى السادس"و"مشكلاتنا فى ضوء الإسلام"و"الجهاد"و" دعوتنا"و" إلى أى شىء ندعو الناس"و"نحو النور"و"إلى الشباب"وفى كل ما كتبه أو ما كتبته له جريدة الإخوان اليومية أو مجلتهم الأسبوعية التى كانت تصدر إلى عام 1948. كما تابعت جريدة" الدعوة" الأسبوعية نشر كلماته وكتاباته منذ بدء صدورها فى عام 1951 بعد محنة الإخوان الأولى واستشهاده رضوان الله عليه حتى عام 1954.
الفصل الثـانى : فى شعبة الظاهر علــو م وفوائـد
صوت أتررد على شعبة الظاهر كل يوم تقريبا. فكنت أصلى العصر فى البيت, ثم ألتقى وحسين عبد السميع ونتجه معا على شعبة سيرا على الأقدام, فنجد بها أقراننا من الإخوان فنتجاذب أطراف الحديث ونتعارف ونتمازح ونتألف حتى يؤذن مؤذن المغرب فينتظمنا صف الصلاة, فإذا فرغنا انتقلنا جميعا إلى تكعيبة العنب فجلسنا تحتها نستمع لأحاديث الخضرى غالبا أو غيره أحيانا. والآن وقد مضت على تلك الأيام السنون أعترف للأستاذ الخضرى بما تلقيت عنه من الخصال التى ترضينى ومن مكارم الأخلاق. فبفضل تلك الأحاديث واظبت تماما على الصلاة وبدأت أستشعر لها لذة ومتعة, ثم طلبت النوافل وقيام الليل والحرص والمداومة على صلاة الفجر فى الشعبة, فكنت ومن معى من الإخوان فى حدائق القبة نواظب كل يوم على قطع مسافة تستغرق منا نصف ساعة سيرا على الأقدام فى جوف الليل لنؤدى صلاة الفجر مع إخواننا فى الشعبة. وسيان عندنا تقلب الصيف والشتاء...
تعلمنا كذلك تلاوة القرآن الكريم, واعتدنا أن يكون لنا ورد يومى لا يقل عن جزء – وكثيرا ما كان يزيد – ثم تعدينا ذلك إلى ورد آخر للحفظ فبدأنا للحفظ نحفظ جزء عم ومن سورة الأنفال, ثم استمر الحفظ من شتى سور الكتاب الكريم.
وأحسبنى تعلمت أيضا من الخضرى شجاعة الرأى وصراحة القول والاعتراف بالخطأ عن طيب نفس, والدأب والمداومة على العمل والإخلاص لله والصدق فى القول والحب والإخاء فى الله. كان فى نحو الأربعين وكنت فى نحو السادسة عشرة, وكنت أتوق إلى المثل وأتعلق بما أراه منها وأعشق السمو وأصبو إليه ذهبت يوما إليه فى منزله, وكنت قد أعتدت أن يفتح لى غرفة الضيوف فأدلف إليها, فلما هممت بالدخول هذه المرة اعترضني بجسمه وقال:" معذرة! لا أريد أن تدخل...ليس بها نساء, بل هنا إخوان ولكن لا أريد أن تراهم" قال تعالى "وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم" لم تصدمني هذه المقابلة ولم أجد بها أى إساءة بل سرنى ما فيها من صراحة وصدق واعتبرته درسا أضيفه إلى محصولى. كنت أعتبر نفسى تلميذا أطلب العلم والأدب, ثم راق لى أن أمضى حياتى على هذه الوتيرة... أطلب العلم وأنشد الأدب. وتصارحنى نفسى من داخلى أنى قد توقفت بأحسيسى ومشاعرى وشبابى وفتوتى عند ذلك العمر.
غنمت كذلك الإخاء الكريم الذى نشأ بينى وبين إخوانى بالشعبة كثيرا وأحبونى, وكنا كثيرا ما نتزاور فى البيوت. وقد خرجت بهذا عن عزلتى إلى الروح الإجتماعية, وتحولت من شخص انطوائى إلى شخصية اختلاطية, وإن كان ذلك الاختلاط ظل حبيسا فى محيط الإخوان. وللإخوان طابع خاص تميز به مجتمعهم, فهم ذوو خلق قويم, لا تسمع بينهم الكلمات الخارجة ولا الألفاظ النابية, وكانوا جميعا متعاونين على البر والتقوى, فإذا حل وقت الصلاة قاموا جميعهم إلى صلاتهم, فإذا كان بأحدهم حاجة إلى تجديد وضوئه لم يكن ثمة ضجر ولا حرج أن يحضر له صاحب الدار القبقاب ويخلى له الطريق إلى دورة المياة. وهم متصارحون فكل يذكر لإخوانه ظروفه الخاصة. وهم متكافلون على أعباء الحياة, يحمل بعضهم كل بعض. وهم متحابون يستشعرون لإخائهم ثوابا وجزاء. وهم سواسية كأسنان المشط رغم تفاوت مستوياتهم وأعمارهم, يجلسون جميعا متجاورين, ويتحدثون بغير كلفة, لا فارق بين الطبيب وبائع الخبز والمهندس وصانع الأحذية والطالب والموظف ومجند الجيش.
لكل هذا تميز مجتمع الإخوان عن غيره من المجتمعات. وكان هذا هو المجتمع الذى صرت شخصية اجتماعية فيه. أما غيره من المجتمعات فربما كنت لا أقوى على الاندماج فيها. هذا المجتمع دخل طرفا ثالثا فى حياتى بين البيت والمدرسة, بل لقد كان هو الطرف الأول. ولم تطل فترة المدرسة. فقد أنهيت تعليمى الثانوى والتحقت بكلية التجارة بجامعة فؤاد الأول بالجيزة عام 1942 فاتصلت بالإخوان بها أيضا.
معذرة لهذه السطور, وقد كان بودى لو أغفلتها, غير أنى حرصت على ألا أسقط من هذا التسجيل أهم وأبرز خصائص دعوة الإخوان المسلمين, وهى أثرها فى جيل الشباب فى عهدها. فحين أذكر هذه الآثار على نفسى إنما أقدم نموذجا واحدا من عشرات الألوف, هذه الروح الفاقة التى بعثتها الدعوة فى قلوب الشباب والرجال كانت هى سر الإخوان المسلمين الأكبر الذى كمن وراء كل شىء آخر يتصل بالإخوان وبنشاط الإخوان. هذا السر هو الذى انفرد به – بدون شك – الإخوان عن أى تكوين معاصر آخر حزبى أو شيوعى أو غير ذلك.
ارتبــاط وعمـــل
هذاالمجتمع الحلو الجمسل لم أعد أحتمل البعد عنه, فقد وجدت فيه عذوبة ومتعة, ووجدت فيه إخواناهم أحب إلى نفسى من نفسى, ثم هم وسيلتى إلى الله يوم تدنو الشمس من الرءوس فنستظل بظل الله يوم لا ظل إلا ظله. ففى حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل, وشاب نشأ فى عبادة الله عزوجل, ورجل قلبه معلق بالمساجد, ورجلان تحابا فى الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه, ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إنى أخاف الله, ورجل تصدقصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه, ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه"(متفق عليه) أدركت ما تتطلبه الدعوة من عمل وكد فكنت لها عاملا من اليوم الأول. وكان العمل الأول موجها إلى شخص فدأبت عليها أروضها وأزودها بحاجتها من التحصيل, وكان لهذا التحصيل شعب ثلاث: المحاضرات والقرأءة والحفظ, وكانت أكثرها الأولى كما كانت الثانية فى الأعوام ثم ما زالت تنمو ملكة القراء’ والإطلاع بمرور الزمن.
فى الجـــوالة
واتجهت عناية الجماعة إلى الجوالة, وجاءت أوامر المركز العام بأن كطل أخ يستطيع أن يكون جوالا فليكن. كنت أرى طوابير الجوالة واجتماعاتهم بالشعبة فلم تكن تعجبنى ولم يروقنى ما بها من أمر ونهى" وعسكرية", وكنت أرى فى جفاف وجفاء. ولقد دعيت مرارا إلى الإنخراط فى سلكها فأبيت حتى إذا كانت المسألة تعليمات دخلت فيها. وتكونت لنا عشيرة من عشرة من الإخوان الطلاب سميناها عشيرة خالد بن الوليد. وكان كبيرها يلقب رفيق العشيرة, بينما كانت مجموع العشائر كلها فى الشعبة تكون الرهط, وكبير الرهط المسئول عنه يلقب زعيم الرهط. واختارونى أمينا لصندوق العشيرة. وما زلت أذكر ذلك الصندوق الذى كنت أمينه.. كان صفيحة دواء صغيرة وكان به يوم تسلمته خمسة وعشرون مليما. فبدأت مهمتى بفتح باب التبرع لتدعيم مالية العشيرة وارتفع رصيد الصندوق إلى أحد عشر قرشا. ثم اتفقنا أن يكون الاشتراك الشهرى للجوالة قرشين, يأخذ الرهط منه نصف قرش ويبقى قرش ونصف للعشيرة.
مع هذه الجوالة خرجت فى بعض الرحلات سرت فى بعض طوابير الاستعراضات فى المناسبات المختلفة, كما اشتركت فى بعض المعسكرات وتلقيت بعض الدروس الكشفية. والواقع أن جوالة الإخوان كانت قليلة العناية بهذه الدروس بسيطو الخبرة فيها, وكان جل همها من هذه الناحية ينصرف إلى المظهر, ولقد كان هذا مقصودا, فقد أصبحت الجوالة من أبرز وأهم أساليب الدعاية للجماعة.
كنا ندفع اشتراك الرهط وكنا ندفع غيره اشتراك الشعبة. وكان غالبا فى حدود خمسة قروش, وقد بدأنا سداد ذلك الإشتراك من تلقاء أنفسنا دون أن يطالبنا به أحد بعد أن شعرنا أن دعوتنا يعوزها المال وأن لا مورد لها إلا جيوبنا. ومن باب ذكر الحق...ما شعرنا أبدا أن المال عقبة فى سبيلنا فى ذلك الوقت, فأى مبلغ كنا نحتاج إليه لأى وجه من وجوه النشاط أو لشراء شىء من لوازم الشعبة كان يتم جمعه فى أى جلسة من الجلسات تطوعا من الحاضرين فى تسابق وعن طيب نفس... فقط يذكر الأخ المسئول أ، الشعبة فى حاجة إلى مبلغ كذا فيدفع كل حسب مقدرته. ولنعد إلى ذكر الجوالة, فمازلت أذكر تلك الطوابير, الاستعراضية الضخمة التى كان يتراوح عدد المشتركين فيها بين الستة آلاف والعشرة آلاف جوال... كنا ننتهز الفرص لإجراء هذه الاستعراضات فى الشوارع. لم تكن تلك المناسبات مقصودة لذاتها دائما, وإنما كانت ذريعة, وكان بيت القصيد إظهار قوة الجماعةومظهرها العسكرى ولفت النظر إلى أن الجوالة بالذات هى القوة العسكرية للجماعة, وفى هذا صرف للنظر عن التشكيل الجدى الذى أ‘د سرا وفى كتمان تام بعيدا عن مظهريات الجماعة وهو" النظام الخاص" وسوف نعرض له إن شاء الله.
أصيب الملك فاروق فى حادث تصادم سيارته الخاصة وإحدى سيارات الجيش البريطانى بالقرب من قرية القصاصين بمديرية الشرقية, ولزم فاروق المستشفى هناك للعلاج فترة, ثم رجع إلى القاهرة فى احتفالات عامة, وكانت فرصة يستعرض الإخوان فيها جوالتهم. وزار الملك عبد العزيز آلا سعود مصر فكانت مناسبة أخرى لاستعراض آخر بدأ من شعبة الظاهر بالسكاكينى إلى سراى الزعفران – قصر الضيافة فى حينه – فاستعرضها من شرفة القصر, وكان يقف إلى جواره المرشد بين زحام جماهير الناس التى ملأت الطرقات يشاهد الآستعراض معهم! ثم رجعت الطوابير سيرا على الأقدام وينظم خطوها دق الطبول إلى سراى عابدين فالمركز العام بالحلمية الجديدة حيث انصرف الإخوان الجوالة. اشترك فى هذا العرض عشرة آلاف جوال كانوا يسيرون سداسيات, كل رهط يتقدمه علم الإخوان الأخضر ذو المصحف الأحمر والسيفين وعليه اسم الرهط, وكانوا يحملون بأوامر تلقى من ميكروفون محمول على سيارة. وكان يشرف على قيادة هذه الطوابير غالبا الإخوان سعد الدين الوليلى وعبد الغنى عابدين .
وأذكر عرضا آخر اتجه من المركز العام إلى السفارة السورية فى الزمالك ثم رجع إلى المركز العام, بمناسبة عيد استقلال سورية كان ذلك فى 17 أبريل 1946 وشهد العرض فضيلة المرشد العام مع جميل مردم سفير سوريا فى مصر آنذاك. كذلك كانت تجرى أمثال هذه الاستعراضات فى بعض المناسبات التى اعتاد الإخوان الاحتفال بها, مثل ذكرى المولد النبوى الشريف أو عيد الهجرة أو الإسراء والمعراج, كما كانت تحدث أحيانا – كما ذكرنا – فى مناسبات كعيد ميلاد الملك أو عيد جلوسه أو ما شاكل ذلك. وكانت الاستعراضات تحدث أيضا بمناسبات عقد المؤتمرات الدورية أو الشعبية للإخوان. وأحيانا كانت تقام استعراضات محلية لمنطقة من مناطق فى حى من الأحياء, دعاية للفكرة به, أو بمناسبة افتتاح شعبة جديدة, أو لاحتفال الشعبة بذكرى غزوة بدر مثلا.
وكنا فى استعراضاتنا هذه يحين علينا وقت الصلاة فنميل إلى مسجد قريب نؤدى الفريضة ثم نعود كل إلى مكانه من الصف بنظام دقيق وسرعة عجيبة, فإذا أدركنا الوقت بعيدا عن أى مسجد كنا نأخذ جانبا من الطريق أو أرض فضاء فنقيم الصلاة.
فــى الكتيبة
كان النظام التشكيلى للإخوان الذى وجدتهم عليه حين عرفتهم يقوم على الاجتماعات اليومية غير محدودة فى الشعبة أو المركز العام. كما كان يقوم على نظام الكتائب.
والكتيبة عند الإخوان اجتماع مجموعة مختارة من الإخوان يبلغون الأربعين عددا فى دار من دور الإخوان ( شعبة أو المركز العام أو بيت مناسب من بيوت الإخوان) وكان يحضره الأستاذ المرشد العام. وهو نظام تربوى بدأ عام 1937 قبل اتصالى بالإخوان بسنوات خمس.
وكتب الأستاذ لنظام الكتائب رسالة" المنهج", حدد فيها مراحل العمل وتكوين الكتائب. وأتذكر من مراحلها أن يصل أفرادها إلى اثنى عشر ألفا" ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة"ويؤسفنى أن ليس تحت يدى الآن تسخة من هذه الرسالة, إذ إن النسخة الوحيدة التى كنت أملكها قد استولت عليها النيابة العامة فى تحقيقات قضية السيارة الجيب ولم يتيسر لى غيرها¸فإن ذلك المنهج لم يقدر له أن يأخذ طريقه العملى, ويبدو أنه كان عنيفا إلى حد ما, فسحبت قيادة الإخوان هذه الرسالة من أيديهم, وقد كانت رسالة خاصة لا تباع.
ثم كتب الأستاذ رسالة أخرى هى رسالة التعاليم, وكان العنوان الذى على غلاف طبعتها الأولى" التعاليم, منى إلى إخوان الكتائب". كتبها ليوحد بها أفهام الإخوان على ضوابط معينة ومعلومة, وقد صدرها بقوله"
"فهذه رسالتى إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين الذين آمنوا بسمو دعوتهم وقدسية فكرتهم وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها أو يموتوا فى سبيلها, إلى هؤلاء الإخوان فقط أوجه هذه الكلمات الموجزة الصادقون وسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون."
أما غير هؤلاء فلهم دورس ومحاضرات وكتب ومقالات ومظاهر وإداريات ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات, وكلا وعد الله الحسنى.
ثم قال:" أيها الإخوان الصادقون. أركان بيعتنا عشرة فاحفظوها" الفهم والإخلاص, والعمل, والجهاد, والتضحية, والطاعة, والثبات, والتجرد, والأخوة, والثقة".
ثم شرع يشرح كل ركن من هذه الأركان فطلب إلأى الإخوان أن يفهموا الإسلام فى حدود عشرين أصلا موجزة كل الإيجاز, مضمونها أن الإسلام نظام شامل فهو جيش وفكرة وحكومة ومسجد وعبادة وقيادة, وأن القرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم يفهمها طبقا لقواعد اللغة العربية, وينكر الإلهام والكشف كمصادر للتشريع ويعتبر التمائم والكهانة منكرا يجب محاربته... وهكذا استطرد حتى أكمل عشرين أصلا هى إيجاز الإسلام كله.
ثم تناول الركن الثانى فتكلم عن الإخلاص وأبان أن الأخ يقصد من عمله كله ابتغاء وجه الله دون نظر إلى نقدم أو تأخر أو مغنم. وذكر أن مراتب العمل المطلوبة من الأخ أن يصلح نفسه, وأن يكون البيت المسلم بحمل أهله على احترام فكرته, وإرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه ثم تحرير الوطن الإسلامي من أى سلطان غير مسلم, وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق فإذا قصرت فالنصح والإرشاد ثم الخلع والإبعاد ولا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. وبعد ذلك إعادة الكيان الدولى للأمة الإسلامية وأستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام فى ربوعه.
وانتقل إلى ركن الجهاد فذكر أن أول مراتبه إنكار القلب وأعلاها القتل فى سبيل الله.
وشرح التضحية بأنها بذل النفس والمال ولوقت والحياة وكل شىء فى سبيل الغاية, ولا تضيع فى سبيل فكرتنا تضحية, من قعد عن التضحية معنا فهو آثم.
ثم ذكر مقصوده بالطاعة فقال إنها امتثال الأمر وانقاذه توا فى العسر واليسر والمنشط والمكره, وقال إن الطاعة غير لازمة لمن كان فى مرحلة التعريف بالدعوة بقدر ما يلزم احترام المبادىء العامة للجماعة, ولكنه ألزمها على من كان فى مرحلة التكوين, كما جعل" كمال الطاعة" من كفالات النجاح فى مرحلة التنفيذ, حيث حدد مراحل العمل بالتعريف والتكوين والتنفيذ.
وأراد بالثبات أن يظل الأخ مجاهدا فى سبيل غايته مهما تطاولت السنون حتى يلقى الله وهو على ذلك. ثم ذكر التجرد فقال: أن تتخلص لفكرتك من كل ما سواها من المبادىء والأشخاص, لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها" صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة".
وأراد بالأخوة أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة, فإن أقل الحب سلامة الصدر وأعلاه مرتبة الإيثار.
ثم فسر الثقة بأنها اطمئنان الجندى إلى القائد فى كفاءته وإخلاصه اطمئنانا عميقا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة وأبان عن وسيلة ذلك وأخيرا ختم الرسالة بذكر واجبات روحية وثقافية وصحية وخلقية ومظهرية وعملية واجتماعية ومالية بلغت فى مجموعها تسعة وثلاثين واجبا, وفى بعض الطبعات وجدتها أربعين وهى معروفة بين الإخوان بأنها" واجبات الأخ العامل " ولم يكن جميع الإخوان إخوانا عاملين, وإن كان كثير منهم بل أكثرهم كان كذلك, فمنهم من غلب ظروفه الخاصة التى لم تكن تسمح بذلك ومنهم من وقف على حافة الجماعة. وكان للدكتور عبد العزيز كامل فكاهة طريفة إذ قال عندنا إخوان عاملون وعاملون إخوان.
كان اجتماع الكتيبة يبدأ عادة بصلاة العشاء بعد أول وقتها وبعد تناول طعام العشاء معا, ذلك العشاء كان يتم خلاله التعارف بين إخوان الكتيبة وبعد الصلاة يجلس الأستاذ فى مواجهة الإخوان ويجلسون أمامه وحوله على الأرض. وأحيانا كان يرتفع فى جلسته على مقعد, لا ترفعا ولا تكبرا ولكن حتى يرى الجميع ويراه الجميع. ثم يبدأ بالتعرف إلى إخوانه واحدا واحدا ويتفرس فيهم, فإذا وجد بينهم من لا يعرف سأله برقة بالغة وأدب جم عن اسمه وعمله وبلده ثم لا ينسى ذلك بعد أبدا.
ثم كان يبدأ حديثه بذكر إخائنا وهذا الحب الذى بيننا فى الله وما يضفيه علينا من متعة وإيناس فى الدنيا وثواب وعطاء فى الآخرة. وبعد ذلك يفيض فى معان روحية دفاقة, ويغوص فى كتاب الله تبارك وتعالى يستخرج منه المعانى كما يستخرج الغواص اللؤلؤ من أعماق البحار, فيسمو بقلوبنا إلى أفاق علا ونحس بها تتصل بالله اتصالا نشعر معه أنه معنا ناظر إلينا وأن ملائكته تحف بنا فى جلستنا بأجنحتها إلى السماء... فى هذه الحالة أظن أن لم يكن بيننا من لا يحس بذنبه ويندم عليه ويعزم على ألا يعود. وكان حديث الأستاذ يستطرد نحوا من ساعتين وقبل أن يختمه يميل إلى معنى التوبة والإخلاص ونجدد العهد والبيعة عليهما, ثم يقوم لينام, وينام كل منا. وكنا نستعد لذلك فيحضر كل منا ثياب نومه وغطاءه. وقبل الفجر بساعة كان يتم إيقاظنا فنتوضأ ونتهجد ثم نؤذن للفجر ونصليه يؤمنا فيه أخونا الأكبر ومرشدنا الأستاذ, ثم يجلس بيننا فنتلو المأثورات جماعة وهى مجموعة من الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. سمعت إخوانا بعد ذلك بسنوات ينكرون تلاوة المأثورات جماعة ويقولون إنها مخالفة للسنة وإن الأستاذ الإمام لم يكن يقرؤها فى جماعة.. ولكنى أشهد أننا كنا نفعل ذلك وهو معنا. ولقد حضرت معه فيما بين عامين 1943و1946 حوالى ثلاثين كتيبة أظن أننا ما تركنا تلاوة المأثورات جماعة فى واحدة منها.
وبعد الفراغ من المأثورات كان يحدثنا حديثا غالبا ما كان فى السياسة فيصارحنا بما لم يكن يصارح به فى المحاضرات العامة. فكان يذكر لنا رأيه الصريح فى رجالات مصر وغير مصر وفى كل هيئة من الهيئات, ويحدثنا عن اتصالاته بهم وأحاديثهم معه وأنواع عقلياتهم وأنماط تفكيرهم, كذلك كان يحدثنا عن نياته بالنسبة لكل موقف من المواقف أو قضية من القضايا, ويظل يجيب عن أسئلتنا حتى تطلع الشمس ويحين موعد انصرفنا إلى أعمالنا.
كان رحمه الله كيسا فطنا لبقا فى أحاديثه وإجاباته. سأله أحد الإخوان ليلة عن رأيه فى فاروق. فقال: فاروق من؟ قال: الملك. قال: رضى الله عنه ! وأدركنا السخرية فضحكنا. وسأله آخر عن السبب فى أننا لا نرى فى كتائبنا غيره فأين معاونوه؟ أين الوكيل العام والسكرتير العام والمراقب العام..أين أحمد السكرى وأين عبد الحكيم عابدين وأين عبد الرحمن الساعاتى..الخ...ولماذا لا يحضرون معنا الكتائب؟! فأجاب فى ظرف ودهاء: وهل لا أكفيك أنا؟! فضحكنا وضحك رحمه الله. إلا أن أسئلتنا بصفة عامة كانت تجاب بصراحة وصدق ووضوح.
نظام الكتائب هذا هو النظام التربوي والإدارى الذى وجدته فى الإخوان حين اتصلت بالجماعة, وقد استمر فيها إلى النهاية, غير أنه جدت عليه أنظمة أخرى احتلت من تشكيلات الجماعة ومن عنايتها مركز الصدارة فتأخر نظام الكتائب عن مكانه الأول. لم يكن تعديل النظم أو إضافة نظم جديدة مجرد وقوف عند مظاهر إدارية, وإنما كانت مرونة تتطلبها مطالب العقيدة ودواعي الدعوة إليها.
فى الأســرة
ثم جاء عام 1943. كنت قد ألفت الشعبة وألفت إخوانها وألفوني. وذات يوم فتحت أحد أدراج مكاتبها فوجدت به بعض الصفحات مطبوعة بالرونيو طبعا غير أنيق ولا نظيف, وشرعت أقرؤها فوجدتها تنظيما جديدا يقضى بتشكيل الإخوان فى أسر تكافلية وتعاونية, كل أسرة من عشرة. وقد كان لهذا التشكيل الجديد مناسبة وقصة.
كان أول ظهور للإخوان على مسرح السياسة, حين حملوا فى مصر عبْ قضية فلسطين إبان ما عرف بالثورة العربية هناك. فأمدوا أبطال الثورة من مجاهدين فلسطين بالمال والسلاح وطبعوا النشرات والمنشورات شرحا لقضيتها وإيقاظا للهمم لنجدتها والذود عنها بالنفس والمال, وأذكر من هذه النشرات كتاب " النار والدمار" الذى قام الإخوان بتوزيعه رغم أنه كان مصادرا. كما قام الإخوان بعدة مظاهرات تأييدا لكفاح العرب من أجل فلسطين. ومن العجيب أن كل هذا لم يلفت أنظار الحكومات المصرية ولكنه لم يغب عن نظر المستعمرين الإنجليز كان ذلك عام 1938.
وبإيعاز من الإنجليز بدأ اضطهاد الحكومة فى مصر للإخوان, فنقلت وزارة حسين سرى – ولم يكن حزبيا وإن كان مثل غيره عميلا مستترا للإنجليز – نقلت الأستاذ المرشد العام فى فبراير 1941 إلى قنا, وقد كان مدرسا بوزارة المعارف العمومية. ثم ألغى هذا النقل بعد انتهاء العام الدراسى بسبب ضجة أثيرت خوله فى البرلمان.
وفى أكتوبر 1941 هاجم الأستاذ المرشد العام الإنجليز والسياسة البريطانية هجوما شديدا وسافرا فى دمنهور, فأصدر رئيس الوزراء حسين سرى باشا أمرا باعتقاله هو والأستاذ أحمد السكرى الوكيل العام للجماعة والأستاذ عبد الحكيم عابدين السكرتير العام لها, فاعتقلوا فى 13 أكتوبر 1941 وأودعوا معتقل الزيتون , وحرم على الصحف ذكر كلمة " إخوان". ولم يدم ذلك الإعتقال طويلا.
ووقع حادث 4 فبراير 1942 المشهور – كما ذكرت من قبل – وحاصرت دبابات الإنجليز سراى عابدين. وسقط حسين سرى واعتلى كرسى الوزارة مصطفى النحاس باشا وأجرى
انتخابات جديدة رشح الأستاذ المرشد نفسه فيها لأول مرة فى دائرة الإسماعيلية – وأظن ذلك كان على مبادىء الإخوان المسلمين – ولكن الإنجليز اليقظين طلبوا إلى النحاس باشا – وكان ما زال غافلا عن الإخوان لا يعرف شيئا – أن يحول دون وصول حسن البنا إلى البرلمان... واستدعى النحاس باشا الأستاذ المرشد وصارحه بالأمر, وأفهمه أنه بناء على رغبة الإنجليز هذه سيحال بينه وبين النجاح فى هذه الانتخابات بأى وسيلة. ولم يشأ الأستاذ البنا أن يجعلها معركة بين مصريين ومصريين لصالح الإنجليز فوافق على التنازل عن ترشيح نفسه فى مقابل اغتنام بعض الفوائد لدعوته بأسلوب المساومة, فسمح للإخوان بإصدار جريدتهم الأسبوعية تحمل اسمهم " الإخوان المسلمين" وسمح لهم بالاجتماعات والمحاضرات داخل دورهم.
ثم حاول الإنجليز عن طريق مستر وولتر يمارت المستشار الصحفي بالسفارة البريطانية بالقاهرة رشوة الإخوان بالمال. فازدراها الأستاذ ورفضها بكل إباء. وعلى الأثر صدر أمر النحاس باشا بإغلاق جميع شعب الإخوان بالقطر المصرى وبمراقبة دار المركز العام وأشخاص الإخوان.
وفى 1943 كان هناك خوف من نفى الأستاذ حسن البنا من مصر,كان الفصل صيفا وكان الأستاذ مازال مدرسا بالوزارة, وكان عليه المراقبة فى إحدى لجان الامتحانات, ووصل فضيلته متأخرا بضع دقائق فوجد سواه قد حل محله فى المراقبة , وأصر هذا الآخر أن يقوم عن فضيلته بالمراقبة. ورجع الأستاذ إلى غرفة المدرسين وكتب بها رسالة" النبى الأمين" فى زمن الامتحان. هذه الرسالة أعاد الإخوان طبعها بعد محنة 1948 تحت عنوان" بين الأمس واليوم" ثم أعادوا طبعها مرة أخرى مع رسالة التعاليم" وكانتا معا تحت عنوان " من تطورات الفكرة الإسلامية, وأهدافها". هذه الرسالة" النبى الأمين" هى التى وجدت طبعتها الأولى بالرونيو فى درج المكتب بالشعبة.
فى هذه الرسالة عرض الأستاذ حسن البنا لقيام الدعوة الإسلامية وللقواعد الأساسية للإصلاح الاجتماعى الذى قامت عليه دعوة الإسلام, وأبان عن الشعائر العملية لهذا النظام. ثم سار مع قيام الدولة الإسلامية الأولى حتى تسللت إليها عوامل التحلل فعملت عملها حتى حدث الصراع بين الاستعمار والعالم الاسلامى, ووصف تمزق سلطان المسلمين حتى قال"... وهكذا أيها الإخوان أراد الله أن نرث هذه التركة المثقلة بالتبعات وأن يشرق نور دعوتكم فى ثنايا هذا الظلام وأن يهيئكم الله لإعلاء كلمته وإظهار شريعته وإقامة دولته من جديد" ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز".
ثم أوضح للإخوان أهدافهم العامة والخاصة, وذكر لهم وسائلهم العامة والخاصة, وبصرهم بالعقبات فى طريقهم, ومنحهم الأمل بذكر عوامل النجاح ثم أوصى الإخوان وصية أردفها بما عليهم من واجبات الاعتزاز بمعرفة الله والتخلق بالفضائل والإقبال على القرآن والسيرة والتحاب فيما بينهم والسمع والطاعة فى العسر واليسر والمنشط والمكره.
وكان مع هذه الرسالة لائحة تنظيمية عنونت" لائحة النظام التعاونى" تناولت التنظيم الإدارى وواجبات إخوان الأسر الشخصية والإجتماعية والمالية. وكان من مقتضى نظام الأسر أن تكون اجتماعاتها فى بيوت الإخوان لا فى شعلهم, وذلك لاعتبارين.. الأول: أن يعتاد الإخوان ذلك فلا ينفرط عقدهم إذا أغلقت الشعب, والثانى: توثيق عرى الإخاء بين الإخوان وزيادة أواصر الحب والصداقة بينهم نتيجة لهذا التزاور وما يتبعه من ازدياد فى التعارف والتآلف.
كذلك كان مع الرسالة واللائحة خطاب توجيهى للإخوان يحثهم على التعارف والتآلف والتكافل ويرشدهم إلى كيفية شغل وقت اجتماع الأسرة.
شرعت أطالع هذه الصفحات حينما دخل على محمود اللبان من إخواننا العاملين بالشعبة. فغضب منى وانتهزنى وقال إنه ليس من حقى أن أفتح الأدراج ولا أن أقرأ الأوراق.
ولم أقتنع بوجهة نظره فقد كنت تشعبت قبل ذلك بأنى واحد من الإخوان لى مالهم وعلىّ ما عليهم, فشكوته إلى الأستاذ الخضرى. وأمام الخضرى قال إنها رسالة سرية خاصة بالموظفين والعمال وأنها ليست خاصة بالطلبة. وأجابه الخضرى بأنه كان من واجبه بصفته سكرتيرا للشعبة وما دام يعتبر الرسالة خاصة ولها صفة السرية ليست سرية وإنى لم أكن مخطئا. وعلى ذلك أصررت على أن أتم إطلاعى على الرسالة. وعاد اللبان يعترض بأن نسخ الرسالة قليلة وأن المركز العام لم يطبع للقطر كله سوى مائتى نسخة وأن هذه النسخة وحدها هى نصيب شعبة الظاهر. وحكم الخضرى أن يعطينى اللبان الرسالة لأجل نتفق عليه, فأمهلنى ثلاثة أيام.
أخذت الرسالة وأسرعت بها إلى صديق مرءوس لوالدى كاتب على الآلة الكاتبة. واتفقت معه أن يكتب لنا على آلته نسختين من هذه الرسالة بالكربون الزفر. شرعت أملى عليه وهو يكتب فأتممنا الرسالة وملحقاتها فى يومين أو ثلاثة. وأعدت الأصل إلى اللبان فى موعده. وكان بالشعبة" حوض بالوظة" للطبع, أخذته إلى منزلى واستحصلت على كمية من الورق فطبعت أربعين نسخة من الرسالة, كانت أنظف كثيرا من طبعة المركز العام وأوضح وأكثر أناقة.
أعجبنى نظام الأسرة كما قرأته وأحببت أن تكون لنا نحن الطلاب أسرة وفاتحت فى ذلك بعض من أبادلة الثقة والمحبة من إخوانى الطلاب بالشعبة وأطلعتهم على الرسالة. واتفقنا على تكوين الأسر واخترنا أفرادها معا من بيننا, فكنا نفس أعضاء عشيرة خالد بن الوليد فى رهط الجوالة, وأعطينا كل عضو نسخة من الرسالة ثم أعدت حوض البالوظة إلى الشعبة ومعه ثلاثين نسخة من الرسالة سلمتها إلى اللبان, ثم أخطرنا الشعبة أننا انتظمنا فى أسرة للطلاب. ووقف مجلس إدارة الشعبة بين موافق ومعترض. فمن وافق فعلى أساس أنه عمل يسير فى الاتجاه العام للجماعة وأنه يفيد هذه المجموعة تربويا, ومن اعترض فعلى أساس أن نظام الأسر تعاونى وتكافلى فيه التزامات مالية وهو موضوع لغير الطلاب. وتمسكنا بأسرتنا فانتهى الأمر بالموافقة على تكوين الأسرة مع إعفائها من الالتزامات المالية. واعتبرنى إخوان الأسرة سكرتيرا لها.
نجحت هذه الأسرة. بل لقد كانت أنجح أسرة فى الشعبة ولاحظ الآخرون هذا النجاح فوكلوا إلينا إنشاء أسر أخرى للطلاب فشرعنا ننشئها أسرة إثر أخرى. وما انقضى عامان حتى كان نظام الأسر يعم طلاب الإخوان المسلمين فى مصر بأسرها. كنا نذكر إنشاء أسرتنا بعد ذلك فتنذر بقولنا إنها كانت أول أسرة للطلاب فى العالم, وكنا صادقين.
كنا إخوان هذه الأسرة نأخذ أمورنا كلها بمأخذ جدى, تعارفنا حتى كان أحدنا يعرف كل شىء عن أخيه وعن ظروفه فى المدرسة وفى البيت وعن حالته المالية والإجتماعية. وتآخينا حتى كان حب كل منا لأخيه يفوق حيه لنفسه ويؤثره بكل خير. وتصارحنا حتى لم يكن أحدنا يجد حرجا فى الإعتذار عن عدم حضور اجتماع الأسرة بأن والدته تلد أخا له وأنه مشغول بالخدمة فى البيت. ثم شرعنا نتدارس دراسات إسلامية وسياسية ونحفظ معا أورادا من كتاب الله وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم. لقد أنشأت هذه الأسرة فيما بيننا من الحب والعاطفة مالا زلت أحسه حتى الآن, وبعد أن انقضى على ذلك قرابة خمسة وثلاثين عاما... ولو أقسم أحدهم علىّ بذلك الإخاء لأبررته.
استمر اتصالى بهذه السرة حتى انتقلت إلى شعبة حدائق القبة عام 1944, فبكى بعضهم لانتقالى من بينهم, كان حبا أمره عجيب قال عنه الأستاذ المرشد إنه لا ينال بحيلة ولا يشترى بمال. هو من عند الله يقذفه فى قلوب من يشاء من عباده.
الفصــل الثالـــث : إلى المركز العــــام
فى يوم من الأيام الأولى لترددى على شعبة الظاهر ذبت إلى دار الشعبة كالمعتاد فلم أجد بها أحدا, وانتظرت طويلا دون جدوى ثم انصرفت. وفى اليوم التالى سألت عن ذلك فعرفت أن الأمس كان الثلاثاء وفى هذا اليوم من كل أسبوع يلتقى الجميع فى المركز العام حيث يلقى عليهم الأستاذ المرشد حديثا. وحتى ذلك الوقت لم أكن رأيت الأستاذ حسن البنا, وكنت معجبا بالأستاذ الخضرى.
قلت يكفينى الخضرى ولا داعى لحضور حسن البنا أيضا. قالوا إن الخضرى نفسه يتتلمذ على دروس الأستاذ البنا وإن ما يذكره لنا فى الشعبة ما هو إلا شذرات من ذلك الفيض الأعم. واتفقت مع حسين أن نذهب معا, الثلاثاء التالى.. وذهبنا. كان المركز العام حينذاك هو البيت الصغير رقم 13 شارع أحمد بك عمر بميدان الحلمية الجديدة. وهو الآن قد هدم وزرع مكانه حديقة صغيرة للناس.
دخلنا من باب الدار, وفى غرفة إلى يمين الداخل جلس بعض الإخوان بينما وقف جمع آخر يتحادثون, بعضهم ملتح وبعضهم حليق وأشار حسين وقال هذا هو حسن البنا. ولم أتبين المقصود بإشارته فلم يكن من بينهم جميعا من يتميز عليهم فى مظهره أو جلسته أو فى أى شىء. فقلت: ايهم يا حسين؟ قال: هذا. وأشار بيده مرة أخرى وقال ذو اللحية. قلت: أصحاب اللحى كثيرون, قال الجالس على الأريكة وكان أكثر من ملتح, فسكت.
وطاف حسين بى غرف المركز العام – غرفة للسكرتارية جلس فيها محمد الطوبجى, وغرفة لقسم الطلاب, وغرفة للمكتبة اختفى بين أكداس كتبها علوى عبد الهادى أمين المكتبة حينذاك,غرف أخرى كان بها احمد السكرى وعبد الرحمن الساعاتى وعبد الحكيم عابدين وصالح عشماوى وصلاح عبد الحافظ وعبد الحفيظ الصيفي, عرفتهم جميعا فى ذلك اليوم. هؤلاء كانوا رجال المركز العام.
حــديث الثـلاثـاء بدأ حديث الثلاثاء فى صالة الدار رغم أنه كان للدار فناء, غير أن عدد الحاضرين كان قليلا لا يملأ الفناء, كما كان الفصل شتاء( من عام 1942).وازدحمن الصالة فوقفنا أمام أبوابها فى الشرفة المطلة على الفناء, وكان الأستاذ المرشد يتحدث بدون ميكرفون فى البداية.
لم يكن رضى الله عنه بالطويل ولا بالقصير وإن كان إلى القصر أقرب. ولم يكن بالرفيع ولا بالسمين وإن كان ممتلئا ربعا, ولم يكن أبيض ناصع البياض ولا اسمر بين السمرة ولكنه كان سواء بين ذلك, وكان رحمه الله كث اللحية أصلع الرأس لم يدب الشيب إلى شعره, حاد النظرات واسع العينين وإن كانت عينه اليمنى تبدو للناظر المدقق أضيق قليلا من اليسرى وربما كان سبب ذلك ما ذكره فى" مذكرات الدعوة والداعية" من أن طالبا منافسا – حين كان طالبا – سكب على وجهه مادة كاوية. لم يكن يستلفت النظر بحركاته بيد أنه كان يأسر التفات الحاضرين بشخصه وذاته.
لم يكن فيه شىء غير عادى.. ولكنه وبكل تأكيد كان فيه سر غير عادى ليس من السهل أن تدرى ما هو.. وأعتقد أنه كان الإخلاص. كان يلبس جلبابا أبيض عليه عباءة بنية اللون من الوبر وعمامة مزركشة من لباس علماء اليمن – كانت هدية إليه من بعضهم – وكان يقف على الأرض خلف منضدة صغيرة بدون منبر ولا منصة ولا ارتفاع عن الأرض.
لا أذكر الآن موضوع المحاضرة, ولكنه كان لا يقرأ من ورقة.. كان يتدقق ارتجالا بدون صخب الصاخبين ولا زمجرة المهرجين. لم يكن يخطب إنما كان يتحدث.. ببساطة ودون كلفة. كان حديثه عربيا فصيحا يمتاز بالسلاسة المتناهية, وكان يخلط به أحيانا بعض العبارات أو الألفاظ العامية. وكان يرتفع إلى سماوات علا من الروحانية, ويقدم الدسم المفيد من ثقافة الإسلام فى سهولة ويسر مع معرفة كبيرة واطلاع واسع بعلوم الدنيا ومعارف الغرب, ويمزج ذلك كله بنكتة لطيفة أو فكاهة مهذبة. ولم يكن حديثه مع دسامته واتخامه بالمعارف والعلوم ثقيلا على الذهن. كان كل منا يشعر أنه يخاطبه هو. كان السامعون جمعا من مختلف البيئات والأعمار والثقافات, ومع ذلك فقد كان هذا هو شعور كل فرد فيهم, وكل منهم يحس أنه يستفيد وينهل من حديثه. ولعل السر فى ذلك أن حديثه لم يكن موجها إلى العقول وحدها وإنما كان يخاطب القلوب كذلك, وكان رحمه الله داعية يدعو بدعوة, ومن أوليات لوازم الداعية أن يكون عارفا بالنفوس خبيرا بها. وكان رضى الله عنه حاضر البديهة, متمكنا من علمه, تسعفه الآيات يزفها يؤيد بها ما يذهب إليه فنسمعها غضة طرية كأنما يتنزل بها الوحى, ويزجيها استشهادا لرأيه فتجدها تماما فى مواضعها ذات حلاوة وطلاوة وثمر مغدق, انظر إلى نمط من أسلوبه نسوقه من رسالة التعاليم يتحدث فيه عن الأخوة:
" وأريد بالأخوة أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة, والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها,والأخوة أخ الإيمان, والتفرق أخ الكفر, وأول القوة قوة الوحدة , ولا وحدة بغير حب, واقل الحب سلامة الصدر وأعلاه مرتبة الإيثار
"ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه, لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم, وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره,وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية و" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وهكذا يجب أن نكون". أ.هــ
هذا نموذج من كتاباته...وأيضا من أحاديثه
وهذا نموذج آخر اقتطفاه من حديث الثلاثاء الذى ألقاه فى 4 أبريل 1939" فى هذا الصخب الداوى من صدى الحوادث الكثيرة المريرة التى تلدها الليالى الحبالى فى هذا الزمان, وفى هذا التيار الجارف المتدفق الفياض من الدعوات التى تهتف بها أرجاء الكون وتسرى بها أمواج الأثير فى أنحاء المعمورة مجهزة بكل ما يغرى ويخدع من الآمال والوعود والمظاهر, نتقدم بدعوتنا نحن الإخوان المسلمين, هادئة ولكنها أوسع من حدود أقطار هذه الأرض جميعا, خالية من المظاهر الزائفة والبهرج الكاذب ولكنها محفوفة بجلال الحق وروعة الوحى ورعاية الله, مجردة من المطامع والأهواء والغايات الشخصية والمنافع الفردية ولكنها تورث المؤمنين بها والصادقين فى العمل لها السيادة فى الدنيا والجنة فى الآخرة. اسمعوها صريحة داوية يجلجل بها صوت الداعى الأول من بعد كما جلجل بها من قبل" يا أيها المدثر, قم فأنذر, وربك فكبر" ويدوى معها سر قوله تعالى:"فأصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " ويهتف بها لسان الوحى مخاطبا الناس أجمعين" يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا الذى له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون"...الخ".
حســـن البنـــا
جاء ذكر الأستاذ البنا فيما مضى من صفحات, وسوف ينكرر ذكره كثيرا فيما بقى, فليس مقبولا إذن أن نستمر دون أن نذكر شيئا عن الرجل, فإذا كان القارىء من الإخوان فإن تكرار الحديث عنه لن يمله, وإن لم يكن منهم فلربما كان فى حاجة إلى أن يقرأ شيئا عنه.
ولد الأستاذ حسن البنا بقرية المحمودية مديرية البحيرة بمصر, وكانت الأسرة أصلا من إحدى قرى موكز فوة. ثم نشأ فى القاهرة وتزوج من الإسماعيلية من أسرة الصولى, فموطن أصهاره الأصلى بلدة صول من أعمال مركز الصف من مديرية الجيزة. وتلقى الأستاذ دروسه الأولى فى كتاب القرية ثم فى المدرسة الإعدادية بالمحمودية( وكان للمدارس الإعدادية حينذاك مفهوم آخر خلاف المفهوم الحالى عنها) ثم فى مدرسة المعلمين الأولية بدمنهور ثم فى دار العلوم بالقاهرة. وقد تميز فى كل هذه المراحل بأنه كان دائما أول الناجحين مما جعله موضع فخر أساتذته ورعايتهم وصلته بهم صلة خاصة, وكان من هؤلاء الأساتذة الأستاذ عبد العزيز عطية عضو الهيئة التأسيسية للإخوان بعد ذلك. وقد اعتكف الأستاذ فى الأزهر الشريف أسبوعا يستذكر مواد الامتحان بين الكشف الطبى وامتحان القبول لدار العلوم عام 1923. وكان من المتوقع أن ترسله وزارة المعارف العمومية فى بعثة دراسية إلى انجلترا أو فرنسا على عادتها فى إيفاد أوائل الحاصلين على دار العلوم لولا ظروف خاصة جعلت الوزارة تخرج عن ذلك التقليد.
وكان الأستاذ البنا صناعتين: إصلاح الساعات وتجليد الكتب. فكان يفتخر بأنه عامل, وكثيرا ما كان يداعب الإخوان ويهددهم بأنه سيتركهم ويفتح محلا ويقول مبتسما" صنعة فى اليد أمان من الفقر". وكان الأستاذ يقرض الشعر وهو فى الثالثة عشرة من عمره فى المناسبات الوطنية ولكن دعوته شغلته يعد ذلك عن إقراض الشعر وإن لم تشغله عن تذوق الأدب فقد كان أدبيا ممتازا وليس أدل على ذلك من كتاباته وخطاباته.
حصل الأستاذ على دبلوم دار العلوم ولم يبلغ الحادية والعشرين من عمره فتم تعيينه مدرسا بمدرسة الإسماعيلية الابتدائية الأميرية فى الدرجة السادسة بمرتي شهرى قدره خمسة عشر جنيها مصريا وتسلم عمله فى 20 سبتمبر 1927, واستمر بعد ذلك مدرسا فى الدارس الابتدائية تسع عشرة سنة لم ينل فيها الدرجة الخامسة إلا بحكم قانون الموظفين المنسيين. وقد عرض عليه عبد الحميد عبد الحق باشا وزير الأوقاف أن ينتدبه إلى مكتبة بالوزارة ليعاونه فى إصلاح المساجد على أنه يمنحه الدرجة الثالثة أو الثانية بصفة استثنائية ويتقاضى مرتبها, ولكنه رحمه الله رفض العرض وقبل أم يكون عضوا فى لجنة إصلاح المساجد بدون مقابل على أن يظل فى وظيفته مدرسا بنفس درجته وراتبه.
وفى مايو 1946 استقال الأستاذ من وظيفته بوزارة المعارف بمناسبة إنشاء الجريدة اليومية للإخوان المسلمين, وهو لا يملك مرتب شهر واحد, فقرر له مجلس إدارة الجريدة مرتبا شهريا قدره مائة جنيه ولكنه رفض أن يتسلم مليما واحدا, فقد كانت الجريدة أيضا تعانى ضائقة مالية, واستمر يشارك فى إدارتها وتحريرها ويبذل جهده المضنى دون مقابل حتى بلغ ما اقترضه خلال عامى 1946 – 1947 لينفق منه خمسمائة جنيه, حتى أنشأ مجلة الشهاب الشهرية ففرض لنفسه من إيرادها ما يوازى راتبه الحكومى حين استقال وهو أربعون جنيها مصريا, فكان ينفق منها على نفسه وبيته وأسرته وأولاده, ويقدم منها ما يفرض عليه للدعوة من التزامات مالية شأن جميع الإخوان. وقد أسهم الأستاذ خمسة أسهم لشركة المعاملات الإسلامية وأربعة فى شركة الإخوان للصحافة وثلاثة فى شركة الإخوان للطباعة لم يسدد بعض الأقساط المستحقة من قميتها, وقد تنازل عنها جميعا للمركز العام للإخوان المسلمين على أن يسدد ما بقى من ثمنها.
وكان الأستاذ المرشد يشارك الإخوان فى كل المناسبات الفردية والاجتماعية والدينية, فكان يخطب الجمعة والعيدين ويصلى التراويح بهم فى رمضان يختم فيها القرآن الكريم, وكان كثير ما يجرى بينهم صيغة عقد الزواج بنفسه ويدعو لأطفالهم بالدعاء المأثور حين يولدون وكان يشيع جنائزهم ويصلى عليها, كما كان يقيم معهم فى معسكراتهم ويوجههم فى حياتهم العامة والخاصة ويخلص لهم الحب والمودة وكانوا يبادلونه العاطفة من أعماق قلوبهم.
وكان يسكن فى مسكن متواضع, رقم 15 شارع سنجر الخازن بالحلمية الجديدة قريبا من دار المركز العام بإيجار قدره جنيهان مصريان, زيدا فى أيام الحرب العالمية الثانية إلى 216 قرشا بحكم قانون المساكن وقد عاشت فيه أسرته فترة بعد استشهاده.
ولقد تعرض الأستاذ فى صغره للموت أكثر من مرة, فقد كان يلعب مع أخيه عبد الرحمن وهما صبيان حينما انهار فوقهم منزل, لكن السقف استند على درابزين السلم وهما من تحته حتى رفعت الأنقاض. ووقع من فوق سطح يرتفع عن الأرض أكثر من ثمانية أمتار فجاء وقوعه فى" ملطم مونة" فلم يصب بمكروه. وسقط مرة فى إحدى الترع زمن الفيضان بفعل كلب عقور وهاب الرجال أن ينجدوه فأنقذته امرأة خلعت جلبابها بسرعة وألقت بنفسها إلى الماء. وركب فرسا فجمحت برأسه لو اصطدم به, ولكنه استلقى على ظهره بسرعة على السرج حتى مر من تحت الحاجز بسلام.
وقد استشهد رحمه الله فى 12 فبراير 1949, اغتالته الدولة أمام جمعية الشبان المسلمين بشارع" الملكة نازلى" – رمسيس حاليا – بمدينة القاهرة. وقد ترك من الذرية أحمد سيف الإسلام ووفاء وسناء ورجاء وهالة ثم ولدت استشهاد بعد استشهاده.
لقد كان حسن البنا طاقة بشرية ضخمة, لو قدر عمر الإنسان بطاقته البشرية وبإنتاجه لتجاوز عمر الرجل الأربعين عاما ببضع مئات من السنين لقد آمن بنظرية تطبيق القرآن فى المجتمع, وكان صاحب تجربة الفرد المسلم وتفاعله فى المجتمع, وكان عملاقا تساوى فى الإعجاب به من أيدوه فاتبعوه ومن عارضوه فقتلوه. ولا يستطيع أحد أن يزعم أن استشهاد الأستاذ فى سبيل دعوته هزيمة, فكما يقول الأستاذ محمد الغزالى" ليس قتل الصديقين والصالحين فى هذه الدنيا بالأمر الصعب!"
وكان ذلك دأب بنى إسرائيل حتى مع أنبيائهم" أفكلما جاءكم رسول بمالا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون".
عــاطفــة الثــلاثــاء
أعجبنى الرجل وملك قلبى.ولم يكن لجمال فى صورته, فلم يكن ممن يبهر الناس جماله وإن لم يكن به ما يعيب صورته, ولا لعذوبة فى صورته فقد كان فى صوته بحة خشنة وإن كانت بحة لطيفة مقبولة, ولا لبهاء فى هندامه فقد كان يرتدى من الثياب أبسطها وأنظفها متواضعا فى ذلك جد التواضع, لكنه كان جليلا مهيبا فيه جلال العابد ومهابة العالم, ثم كان فوق ذلك كله – ولعل هذا هو السر – مخلصا أشد الإخلاص متفانيا فى فكرته متجردا لها, فإذا ما تحدث خرج الحديث من قلبه , وما خرج من القلب فهو يصل إلى القلب, وكان يقدم من نفسه نموذجا ساميا ومثلا عاليا للرجل الربانى دون أن يذكر حرفا عن نفسه, فيصغر الواحد منا فى نفسه كثيرا ويحس أنه لا شىء أمام عملاق ضخم صنعه الله على عينه واصطنعه لدعوته, فلا يجد أحدنا حرجا ولا غضاضة أن يقرأ أنه فى حاجة إلى هذا الرجل ليرشده. ليس فى الإسلام واسطة بين العبد وربه وليس فيه كهنوتية, وليس عندنا رجال للدين يغفرون للمذنبين ويبيعون فدادين الجنة للصالحين, ولكننا إزاء" إمام" قل نظيره بين أئمة الهدى النادرين فى أرض مات أحياؤها وضل أصحابها, والمعنى ليس غريبا على الإسلام( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) فهو ولى من أولياء الله الذين عناهم لقوله( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون, الذين آمنوا وكانوا يتقون) كما قال سبحانه( الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) ولقد كان موفقا يوم اختار لنفسه لقب" المرشد العام للإخوان المسلمين" فلقد كان حقا يهدى إلى الرشد.
انتهت محاضرة تلك الليلة فوجدتني عازما عزما أكيدا على المواظبة عليها كل أسبوع. وكان من نهجه أن يبدأ حديثه بذكر عاطفة الأخوة والحب الذى جمعنا فى الله وعلى طاعة الله, وكان قديرا فى تأكيد هذا المعنى بين جماهير الإخوان, حتى صار أحدنا يلقى أخاه فى الطريق أو فى مركبه الترام لا يعرفه ولا يدله عليه إلا إشارة الإخوان يضعها فى عروة سترته فيقبل عليه يضمه ويعرفه بنفسه ويسأله عن اسمه وعمله وبلده وشعبته.. ثم يواعده ليلقاه فى حديث الثلاثاء!
بعد ذكر معنى الحب والإخاء كان الأستاذ ينتقل إلى التذكير بفضل مجالس العلم والذكر – كعاطفة الثلاثاء هذه _ فكان يستشهد بحديث أبى هريرة المتفق عليه عن رسول الله صلى اله عليه وسلم" إن لله تعالى ملائكة يطوفون الطرق يلتمسون أهل الذكر, فإذا وجدوا قوما يذكرون الله عزوجل تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. فيسألهم ربهم وهو أعلم : ما يقول عبادى؟ يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. فيقول: هل رأونى ؟ فيقولون: لا والله ما رأوك. فيقول: كيف لو رأونى؟ يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة واشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا. فيقول: ماذا يسألون؟ يقولون: يسألونك الجنة. يقول: هل رأوها؟ يقولون : لا والله يارب ما رأوها. يقول: فكيف لو رأوها؟ يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة. قال : فمم يتعوذون؟ يقولون: يتعوذون من النار. فيقول: وهل رأوها؟ يقولون : لا والله ما رأوها. فيقول: كيف لو رأوها؟ يقولون: لو رأوها كانوا أشد فرارا واشد لها مخافة. فيقول: فأشهدكم أنى قد غفرت لهم. يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم". وكثيرا ما كان يذكر ما رواه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده". بهذا وبمثله كان يقر فى نفوسنا احترام الدرس وحبنا له وحرصنا عليه واعتزازنا به.
وكان الأستاذ يكره أن يسميه" محاضرة" ويقول: إنها ليست محاضرة ولكنها عاطفة فقولوا عاطفة الثلاثاء ولا تقولوا محاضرة الثلاثاء ولا درس الثلاثاء.
استمر عدد رواد عاطفة الثلاثاء يزداد باطراد حتى لم تعد تتسع لهم صالة الدار فانتقلت إلى الفناء, ثم ازداد المقبلون عليها حتى ازدحم الفناء بدوره فكان يمتلىء الشارع أمام الدار بالوقوف يقفون طوال المحاضرة التى كانت تمتد إلى ساعتين أو ثلاث. وهنا كان يستعان بالميكروفون.
ثم اتسع المكان اتساعا جديدا بشراء الدار الجديدة للمركز العام بميدان الحلمية الجديدة فى مواجهة الدار القديمة وتشغل الناصية المكونة من سكة راتب باشا وميدان الحلمية ( أطلق عليه بعد ذلك ميدان حسن البنا) وشارع أحمد عمر. وهو حاليا قسم الدرب الأحمر للشرطة بعد أن استولت عليه حكومة جمال عبد الناصر. ثم انتقلت المحاضرة بعد ذلك إلى الفناء الأوسع بأرض دار شركة المعاملات الإسلامية التابعة للمركز العام بشارع محمد على أمام مسجد قيسون, فكانت تمتلىء بهم أيضا ويقفون فى الشارع أمام الدار.
وكان الأستاذ يتخير لأحاديثه سلاسل مفيدة لدارسة الكتاب والسنة المطهرة والتاريخ الإسلامى بطريقة جديدة من ابتكاره. فبدأ سلسلة" نظرات فى كتاب الله" وكان يجعل لكل محاضرة موضوعا قائما بذاته من هذه السلسلة. وكان يقول إنه لا يقصد بهذه النظرات أن يحصى حقائق علمية ومذاهب خلافية أو أن يعرض لكثير من وجوه التفسير ولكنه قصد إلى أن يمهد سبيل الفهم لكتاب الله بين يدى من يقرؤه وذلك بأن يعرض للمعانى الكلية.
وأذكر أنه بدأ سلسلة نظرات فى كتاب الله بالحلقة الأولى" الإنسان فى القرآن" ثم" الكون المنظور فى القرآن" ثم الكون غير المنظور فى القرآن" ثم" الله فى القرآن – أو حقوق الألوهية فى كتاب الله" ثم" الجزاء فى القرآن" وهكذا. ولن أستطيع أن أودون هنا أحاديث الثلاثاء فقد كان الواحد منها يمتد إلى ساعات ثلاث, ولكنى أعرض نماذج مختصرة غاية الاختصار كل غايتى منها أن يدرك من لم يدرك حسن البنا كيف كانت أحاديث, ولنأخذ لذلك مثالا" الإنسان فى القرآن".
قال:" إن من واجبنا كأناس أن نعرف الوضع الذى وضعنا الله فيه لنقوم بحق أنفسنا, ثم نعلم تبعا لذلك حق الله علينا. وكان الأساس الذى دار عليه القرآن فى عرض هذا الموضوع هو قصة آدم, وقد ذكرت فى مواضع كثيرة من القرآن... فى سورة البقرة وفى الأعراف والحجر والإسراء وطه وص والرحمن. ذكرت مجملة فى بعض المواضع وعرضت بشىء من التفصيل فى مواضع أخرى.
" فبنيت الأعراف أن سبب ضلالة الشيطان هو الكبر, وأن سبب زلة آدم هو الاغترار به. زبنينت الحجر أن إبليس اعترف بريوبية الله وأن هناك فريقا ليس لإبليس سلطان عليهم. وتبين الإسراء أيضا شيئا من ناحية طريقه استيلاء إبليس على الناس وبيان أكاذيب وعوده. وتشير طه كذلك إلى أن الإنسان ضعيف مالم يدركه الله بقوته, وأن الإنسان من طبيعته النسيان فنسى وطمع. وعرضت سورة ص لتفسير الصلصال والحمأ المسنون بأنه كان طينا وأن الله أكرم الإنسان لأنه خلقه بيده ثم إقرار من إبليس بعزة الله وأن اللعنة التى نزلت عليه لعنة ربانية.
وألمت القصة بعنصر الإنسان المادى وأنه من طينة هذه الأرض وجوهرها. ثم القصة بظاهرها تدل على أن الإنسان المادى خلق على غير مثال سبق, فهو ليس متسلسلا من غيره كما يفترض بعض علماء الحيوان. ولم يبين القرآن ولا عرضت السنة لكيفية الخلق.
" وكما بينت القصة أن التكوين المادى للإنسان طينى عرضت كذلك للتكوين الروحى ونفخت فيه من روحى) فبينت أنك أيها الإنسان لست هذا الغلاف الطينى ولست هذا الغلاف اللحمى ولكنك من روح الله فأنت قبله لم تكن إلا قبضة من طين, ثم أنت بعده صرت بشرا سويا, فأنت كائن من كائنات الأعلى لأن إنسانيتك لم تتكون وتتشكل إلا بعد أن نفخ الله فيك من روحه لا شأن لك بحقيقة هذه الروح, إنما يكفى أن تعلم أنك عنصر ربانى وكل ما اتصل بالله فهو فوق تفكير الإنسان.
"وعرضت القصة كذلك لناحية ثالثة هى نسبة الإنسان إلى الملائكة أن الله أسجد له الملائكة بعد أن أمده بروحه, فهو بهذا أعظم عند الله من الملائكة, فلو حقق الإنسان إنسانيته لكان أسمى من الملائكة, أما لو نسى لحق بالشيطان, وقد ثبت أن الملائكة سيكونون فى خدمة الصالحين يوم القيامة, كما تبين القصة أن تجلى الحق تبارك وتعالى على الملائكة هو تجل من ناحية واحة ناحية الطاعة. أما تجليه على الإنسان فهو أعظم لأن فيه ناحية الاختيار. " وعرضت القصة رابعا لصلة الإنسان بالشيطان فبينت أن بينهما خصومة عنيفة وأن الحياة ليست إلا صراعا بينهما.
والمعنى الخامس فى القصة هو أن الإنسان مخلوق من الكائنات العلوية, موطنه الأصلى الملأ الأعلى وفيه نشأ, ثم أهبط اختيارا, ثم هو يعود إلى هذا الوطن إن عرف طريق الرجوع.
" كذلك تناولت القصة نسبة الإنسان إلى الكون كله فإذا به كائن علوى بين الكائنات وله منها مكان الخلافة(وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة)( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) فالإنسان مسلط والكون كله مسخر له.
" ولم يهمل القرآن نسبة الإنسان إلى الإنسان فإذا به ينادى( بعضكم من بعض)( يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) فالإنسان أخ الإنسان.
وثامنا بين نسبة الإنسان إلى الله فأجملها فى قوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
ثم دعا القرآن الإنسان إلى التسامى بروحه بالأعمال الصالحة وتطهيرها بمعرفة الله وتزكيتها بالإقبال على الخير".
ولنأخذ مثالا ثانيا لتناوله موضوع" الكون المنظور فى القرآن". قال:" تناول القرآن كثيرا من ظواهر الكون وعرض لها فى آيات كثيرة جاء فيها ذكر السماء المظاهر الكونية تكلم عنها القرآن فى بدء خلقها وفى عوارض وجودها وتكلم عن بعضها فى نهاياتها. وقد عرض لهذه النواحى لا ليعالج أمرها علاجا فنيا تحليليا دلائل قدرة الله وعلائم الصنع الدقيق الحكيم ومظاهر التصرف البارع البالغ. عرض لها لتكون نبراسا يهدى الناس لمعرفة الله . ثم إنه لم يتناولها من ناحيتها الفنية لأن العقل الإنسانى يتدرج, فلابد أن تترك له الحرية لإدراك هذه الكائنات وإدراك.0 أسرارها بحسب تدرجه فى قوته واكتماله. وما ذكره القرآن عن هذه الكائنات لم يتعارض مع ذكرته النظريات العلمية الصحيحة لا فى قليل ولا فى كثير – لا فى بدء خلقها ولا فى عوارض وجودها ولا فى نهايتها المحتومة. العبرة العملية هى تقبل على النظر فى الكون ونتخذ من هذه الوسيلة الصحيحة لتقوية الإيمان".
كان الإخوان يستمعون بإنصات وشغف الساعات الطوال دون كلل أو ملل. بل لقد كان شعورى بعد أن أقف طويلا أرتشف من ذلك المنهل العذب أن أحس بالحسرة على انتهاء الحديث, ولو مكث الليل يتحدث لوقفت استمع حتى تطلع الشمس. وكان إذا ما انتهى من حديثه اندفعت إليه جموع الإخوان يصافحونه ويقبلونه يده. كان لا يحب أن يقبل أحد يده, ولكنه ما كان يستطيع أن يقاوم عواطف ألوف الإخوان الذين كانوا يهجمون عليه بعد الحديث لتقبيل يده.وفى أثناء حديثه كثيرا ما كان يرى أخا من إخوان الأقاليم وسط الجموع أو يلمح أحدهم داخلا الدار أثناء المحاضرة فيقطعها برهة ريثما يرحب به ويقدمه إلى الألوف الشاهدة فيقول" هذا أخونا فلان من بلدة كذا جاء يشاركنا عاطفتنا... كيف أنت يا أخانا فلان؟ وكيف حال شعبتكم؟.. وكيف تركت الشيخ فلانا؟ وكيف حال ولدك؟ هل شفاه الله؟" ثم يسأل الإخوان أن يدعوا لولد أخيهم بالشفاء, ويتحدث قليلا عن دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب. ولربما كان الأخ محل هذه الحفاوة مغمورا فى الناس لا يكاد يعرفه أحد, مطمورا لا يكاد يحس بوجوده إنسان, فلا هو من عليه القوم ولا هو من أصحاب الجاه والسلطان..
ولكنه أخ من الإخوان من النوع الذى كان يصفه بالتعبير البليغ" قوم إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا" ثم يعود يستطرد فى موضوعه الأصلى من جديد.
كان حديث الثلاثاء تجاوبا بين الإخوان ومرشدهم, وكثيرا ما كان يتفق معهم فيه على حفظ آية وحديث فى موضوع معين ثم يأتى فى الثلاثاء التالى ويسألهم – وهم ألوف –" هل حفظتهم الآية والحديث؟" فيقولون " نعم" فيقول" قل لنا يا أخ فلانا آية عن الصدق" فيقول ( بسم الله الرحمن الرحيم, يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). جميل, وقل لنا يا أخ فلان حديث عن الصدق.. الخ.
وكان الإخوان يوجهون إلأى مرشدهم الأسئلة فى مختلف الشئون, يكتبونها فى قصاصات من الورق, ويناول كل قصاصته للذى يجلس أمامه حتى تصل إلىالجالسين فى الصف الأول فيضعونها على المنضدة أمام الأستاذ, ويستمر سيل القصاصات يصل طوال المحاضرة ليجيب عنها فى آخرها. كانت تشمل أسئلة فقهية وإسلامية وأسئلة سياسية وأسئلة فى أمور الجماعة وأسئلة حول شخصية, كما كانت تتضمن فكرة أو اقتراحا. وكان يجيب عن جميع هذه الأسئلة لا يغفل منها شيئا ولا يحرجه منها سؤال. وكان بعض ما يمس شخصه مقبولا نوعا, كمن سأله عن مصدر رزقه, وكان بعضها سخيفا كمن سأله عن راتبه. وكتب إليه أحدهم يوما" إنك إذا وقفت تصلى رأيناك تهتز أماما وخلفا, فلماذا؟" فكان جوابه" أكرمك الله يا أخى, لقد لفت نظرى لشىء سوف يشغلنى, أنى أصلى لا ألتفت لما تذكر ولا أحس به, ولكنى بعد الآن سيشغلنى ذلك كلما وقفت للصلاة فالأمر كرجل ملتح كان ينام مرتاح البال حتى سأله أحدهم عن لحيته هل يضعها تحت الغطاء أو فوقه إذا نام, فصار وضعها يتعبه بعد ذلك إن وضعها فوق الغطاء شعر بالبرد وإن وضعها تحته أتعبته".
كان يتحدث فى حفل أقيم فى سرادق بالمنصورة أقيم فى إحدى المناسبات الإسلامية, فوصلته قصاصة بها" إنكم تنادون بقيام الدولة الإسلامية وعودة الخلافة الضائعة, فمن يكون الخليفة المرشح وفق برامج الإخوان ومناهجهم؟" لقد كان السؤال دقيقا محرجا, إذا قال الملك فاروق فقد اشتهر فسقه وذاع وعم فساده كل البقاع, وإذا قال غيره تكون إجابته – كيفما كانت – دعوة لإسقاط الحاكم وقلب نظام الحكم فى مصر. ولكن الرجل الذى تمكن من فكرته وتمكنت منه عقيدته قرأ السؤال فى الميكروفون... فأنصت الجميع... ثم قال :
- من كاتب هذا السؤال؟
- وبعد تردد قليل وقف شاب معروف بأنه حزبى من حزب الوفد, وكان الوفد يخاصم الإخوان حينذاك. فقال له الأستاذ:
- - هل تقرأ القرآن؟
- - نعم.
- - هل قرأت سورة القصص؟
- - لا أذكر.
- إذن فعد إلى قراءتها يا أخى. تجد فى أولها( إن فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين) هذا تصوير لحال أمة. ثم قال ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين, ونمكن لهم فى الأرض, ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) حينما أراد الله لهذه الأمة المستضعفة هذه الإرادة التى يرثون بها الأرض والتى تجعلهم أئمة قد تمكن دينهم... حينما أراد الله لهذه الأمة الإرادة, أين كان القائد الذى يحقق الله به هذه الإرادة؟
- لا أدرى.
- تجده فى الآية التالية( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولا تخافى ولا تحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين)!
أرأيت يا أخى؟ كان قائد تلك المعجزة رضيعا مطاردا يلقى فى اليم من الخوف. يا أخى نحن مطالبون بأداء رسالة وحمل أمانة ولا نبحث عن من يتصدر ويترأس, ولكننا دعوة, وحين يحين لتصبح الدعوة دولة سوف يصنع الله لها قائدها الذى يتزعمها, فهذا شأن الله يصنع على عينه من يشاء والله أعلم حيث يجعل رسالته.
مــع قســم الطــلاب
لم تكن محاضرة الثلاثاء والأحفال العامة هى صلتى الوحيدة بالمركز العام فتلك صلة عامة. وإنما كان هناك صلة أخرى أعمق واوثق, فمنذ بدأت دراستى بكلية التجارة عام 1942 اتصلت بالإخوان فى الكلية. وكان الاتصال فى الكلية يغاير نمط الإتصال بالشعبة, فلم يكن بالكلية أسر ولا جوالة للإخوان وإنما كان لكل سنة دراسية من سنى الكلية الأربع مندوب, ثم كان هناك مندوب للكلية جميعها. وكانت مهمة كل مندوب أن يتعرف على الإخوان الذين فى سنته الدراسية, وهو مسئول عن تعارفهم ببعض. وكنا نعقد لذلك الاجتماعات تارة لسنة دراسية بعينها وتارة لإخوان الكلية فى مصلى الكلية أو فى المركز العام. وكانت جريدة " الإخوان المسلمون" الأسبوعية تباع لنا فى هذه الاجتماعات.
وكثيرا ما كنا نحتفل فى الكلية بالمناسبات الإسلامية, فندعو طلاب الكلية وأساتذتها إلى أكبر مدرجاتها حيث يبدأ الحفل بتلاوة القرآن الكريم, ثم يتوالى الخطباء من طلاب الكلية وأساتذتها, وأيضا من إخوان من غير الكلية, وكثيرا ما كان يحضر هذه الاحتفالات ويخطب فيها مصطفى مؤمن وكان طالبا بكلية الهندسة وسعيد رمضان وكان طالبا بكلية الحقوق. وحين كنا نقيم حفلات للتعارف بالمركز العام كنا ندعو إليها نخبة من أساتذة الكلية وطلابها, وأحيانا كان يشاركنا هذه الحفلات إخوان كليات أخرى, وكان يشهدها معنا أستاذنا المرشد فكان ينتهز هذه الفرصة ليشرح لضيوفنا دعوة الإخوان وغايتها وأهدافها ووسائلها وخطوات سيرها, كما كان يجيب على أسئلتهم ويستمع لكلماتهم وانتقاداتهم. وأذكر حفلا من هذه الأحفال فوق سطح دار المركز العام على إفطار فى يوم من أيام شهر رمضان المبارك, وكان بين المدعويين إليه بعض الزملاء المسيحيين وبعض دوى الاتجاهات اليسارية. فكانوا يسألون عن موقف الإخوان من المسيحيين والأقليات المسيحية فى مصر وفى العالم الإسلامي, بينما ذهب اليساريون يقولون إن دعوة الإخوان يسيرها فرد واحد هو" حسن البنا" فهى تقوم على أسس ديكتاتورية فاشية مناقضة لمبادىء الديمقراطية الحديثة التى آمن بها العالم واتجه إلى الأخذ بها, كما قالوا إن الإسلام فكرة نظرية لا يمكن تطبيقها.
أما يساريتهم فهى أحدث ما وصل إليه فكر العالم وهى مطبقة فعلا. وكان الأستاذ يجيب فى هدوء وسماحة وسعة صدر وفى منطق وإفحام وأناة.
تربيــــة كان أكثر ما أفدت من قسم الطلاب هو اجتماعات " الكتيبة" التى كنت أدعى إليها. ولقد حضرت مع الأستاذ المرشد نحوا من ثلاثين كتيبة, سبع منها فقط كان عن طريق الشعبة, والباقى كله كانت دعوتى إليه عن طريق قسم الطلاب بالمركز العام. كنا نتكتم هذه الاجتماعات لسببين: أولهما ترويض أنفسنا على الكتمان, وثانيهما حتى لا يحضرها غير من دعى إليها. وكان المفروض أن يكون عدد المدعوين إلى اجتماع الكتيبة فى حدود الأربعين غير أنها كثيرا ما كانت تصل إلى ستين وكان الأستاذ يتغاضى عادة عن ذلك, ولكنها بلغت الثمانين مرة فبان الامتعاض عليه ولفت نظر المسئولين عن دعوة الكتيبة إلى ذلك, وكان يرى أن العدد إذا زاد فقد الغرض من اللقاء وهو التعارف والتآلف ثم الاستفادة.
وكان اجتماع الكتيبة بقسم الطلاب إذا عقد صيفا عقدناه فوق سطح المركز العام, وإذا كان شتاء عقدناه فى بعض الغرف المتسعة. وعن طريق هذه اللقاءات عرفت تخبة من إخوان الجامعة, وبعضهم يشغل الآن أوضاعا وأكثرهم من المبرزين فى أ‘مالهم. وكان يشهد هذه الاجتماعات أيضا بعض الإخوان من طلاب كلية البوليس وطلاب المدارس الثانوية. عن طريق هذه اللقاءات الخاصة أخذنا كثيرا من فقه الدعوة.
حــركــات
وكان لقسم الطلاب نشاط آخر هو الحركات التى كنا نقوم بها فى الجامعة وفى المدارس الثانوية. تلك الحركات كانت ظاهرة هامة من أوجه نشاط الإخوان ومن أبرز علامات الحركة الوطنية بعد أن وضعت الحب العالمية الثانيةس أوزارها عام 1945. وكان قائد هذه الحركات واحدا من أبرز الإخوان فى هذه الحقبة ومن أقواهم شخصية وأوسعهم إطلاعا هو الأخ مصطفى مؤمن من طلاب كلية الهندسة. ولقد كان خطيبا مفوها لا يبارى, يأخذ بالألباب, وذا قدرة فذة على إثارة الحماس, كما كان عقلية حركية تتفتق كل يوم عن جديد. كان بعض تلك الحركات يخدم القضية الوطنية المصرية وكان بعضها وكان بعضها يؤيد القضايا الإسلامية والعربية خارج مصر. فمن الصنف الأول لا ينكر إلا جاحد أن الفضل يرجع إلى الإخوان فى تحديد أهداف مصر أو ما أسميناه الأمانى الوطنية, وأعلناها وجمعنا الناس عليها وحملنا الحكومات الهزيلة على الاعتراف بها داخليا والمطالبة بها خارجيا, وفى الواقع لم يتم ذلك بإقناع تلك الحكومات وإنما كان بتوريطها أمام الرأى العام المتزايد الذى أمكن بلورته على ذلك. كان الإخوان هم الذين ضغطوا هذه الأهداف فى كلمتين " الجلاء والسودان". من ذلك أيضا دعوة الأحزاب والزعماء والمتزعمين والوزراء والمستوزرين إلى الوحدة لمواجهة المستعمر صفا واحدا. فلما غلبت على هؤلاء حزبيتهم وتهافتهم على كراسى الوزارة وتناحرهم على ذلك, حمل الإخوان لواء نبذ الحزبية قاطبة ونجحوا فى هذا إلى حد بعيد, حتى صار محرما فى الجامعة نتيجة لذلك الهتاف بأن يعيش فلان باشا أو بأن يسقط فلان باشا وصار أى حزبى لا يجرؤ على هتاف من هذا النوع, وارتفع بدلا من ذلك" كفران بالحزبية, إيمان بالوطنية". من ذلك أيضا رفض الأحلاف والمعاهدات التى كان من شأنها ربط مصر بعجلة " الإمبراطورية البريطانية العجوز" – وربما كان الأستاذ المرشد هو صاحب هذا التعبير – وإحباط كل مشروع من هذا القبيل. لقد كان قسم الطلاب وتحريكه للجموع الطلابية فى هذه الاتجاهات من أبرز ما ظهر من الصور عن حركة الإخوان فى الأربعينيات, وكان هو اللسان الناطق عن حركة الإخوان. هذه الحركات اتخذت شكل عقد المؤتمرات لطلاب الجامعة فى حرم الجامعة { جامعة فؤاد الأول – جامعة القاهرة الآن} أو فى قاعة الاحتفالات أو فى مدرجات الكليات المختلفة, وكذلك اتخذت شكل الخروج فى مظاهرات خارج أسوار الجامعة بعضها اصطدم بالبوليس وسقط فيها من الضحايا من الطرفين من سقط, والشهادة لله لقد كان الأستاذ البنا يكره ذلك أشد الكره. كذلك يقبض على بعض الإخوان فى هذه المظاهرات, وتم تقديم بعضهم إلى المحاكمات بتهمة التظاهر وتعطيل الدراسة.
كذلك عقدنا مؤتمرات جامعية عديدة لنصرة فلسطين وسوريا ولبنان وباكستان وأندونيسيا. ولقد كان من صميم عقائد الإخوان المسلمين, غير أن القوى الحزبية والشيوعية كانت تناوىء ذلك وتحاول نشر منطق" مصر للمصريين" وألا شأن لنا بفلسطين وسوريا وكل ما هو خارج حدودنا, ولقد عانينا من هؤلاء الكثير فى محاولاتهم لعرقلة تقدم الحركة التحررية التى سرنا بها حينذاك.
إن هذه المرحلة فى حاجة إلى تاريخ مسهب لبيان أهميتها ودور الإخوان الواضح فى توجيه الحركة الوطنية فى مصر فى أعقاب الحرب العالمية الثانية, وفى رأينا أن المهندس مصطفى مؤمن هو خير من يقوم بهذا العمل, فهو الذى قاد هذه الحركة بضع سنين. لقد تزعم الإخوان النشاط الوطنى فى مصر وأشعلوه وبلوره وقادوه وتقدموا الصفوف ودفعوا الثمن والحمد لله.
استقــلال مصـــر!!
فى تلك الأيام كانت الحرب العالمية الثانية دائرة الرحى منذ 1939. وكان هناك ضغط مستمر من جانب السفير الانجليزى سير مايلزلمنبسون لتدخل مصر الحرب إلى جانب انجلترا. عاملان منعا ذلك لفترة طويلة. أولهما شعب مصر الذى كان يمقت الإنجليز بسبب الاحتلال الذى طال قرابة سبعين عاما حتى حينذاك ونتج عنه تعاطف واضح مع الطرف الآخر فكنا إذا انتصر الألمان ونشمت فى الإنجليز الذين كنا نكتئب إذا كسبوا.
والثانى الملك الذى كان بينه وبين الإنجليز تنازع سلطة ونوع من لعبة القط والفأر. كذلك كانت هزائم الإنجليز لا تشجع على إعلان الحرب إلى جانبهم. كنا نرى جنود الجيش الثامن الإنجليزى فى القاهرة وغيرها من مدن مصر, أكثرهم من الهنود. ما شأن الهند بألمانيا وإيطاليا, ينتزع الشاب الهندى من أبيه وأمه وزوجته وهم أشد ما يكونون حاجة إليه لتروى دماؤه رمال الصحراء وغير الصحراء؟! شأنها أنها كانت مربوطة بعجلة بريطانية { العظمى}, وفى مصر لم نكن نحب أن نرتبط بهذا الرباط الذى لا شأن لنا به ولا ناقة لنا فيه , فضلا عن بغضنا لهؤلاء الناس الذين يحتلون بلادنا وينعمون بخيراتها ويتدخلون فى شئونها.
قد لا يدرك شباب هذا الجيل, جيل الثمانينات وما يأتى بعدها معنى الاحتلال والتدخل, ولذلك فليس خروجا عن الموضوع أن نحكى طرفا من ذلك. قد يظن أحد أن الأمر اختلف بعد معاهدة 1936 عما كان قبلها... أبدا. سيان قبلها وبعدها. قليلا من الصبر لتقرأ هذه الأسطر.
فى عام 1934 طلب ملك الإنجليز أن يسافر ولى العهد فاروق إلى انجلترا ليتعلم هناك. وأبدى أبوه الملك فؤاد رغبته أن يتعلم اللغة التركية أولا. واقترح المندوب السامى مايلز لمبسون أن يدرس فاروق فى كلية ايتون بإنجلترا مع إحضار مدرس خصوصى ليعلمه اللغة التركية. ووافق الملك فؤاد على أن يؤجل ذلك إلى أن يبلغ فاروق السادسة عشرة من عمره { وكان لا يزال فى الرابعة عشرة}.
يقول مايلز لمبسون" وقد عارضت هذه الفكرة بشدة وطلبت أن يسافر الأمير فى أسرع وقت".(!)
ما شأن مايلز لمبسون وتعليم وتربية ولى العهد فى دولة مستقلة حتى ينتزع حق أبيه فى اختيار منهج تعليمه وتربيته؟ من الواضح أنه كان الرغبة فى أن ينصع الإنجليز ملك المستقبل على أعينهم.. نوع من غسيل المخ كما صنعوا ملوكا آخرين ظهروا فى المنطقة. المهم, وافق الملك فؤاد على ذلك ###يقول مايلزلميسون عن الملك فؤاد" كنا نستطيع أن نجعله يتصرف كما نريد فى النهاية وأى تصرف كنا نريده كان من الممكن أن يتم عن طريقه".
ويحكى ذلك المندوب السامى ما يلزلمبسون عن حفل استقبال أقامه فى السفارة البريطانية بالقاهرة ودعا إليه جميع رؤساء الأحزاب ويذكر ملاحظاته عنهم وأنه كم كان مسليا لرجال السفارة أن يراقبوا كيف يتصرف هؤلاء الناس! كأنما كانوا يتفرجون على قرود أو نسانيس.
" النحاس باشا كان منظره يبدو عجيبا وعندما سلم السفارة كان ذيل البالطو الأسود الذى ارتداه خصيصا لهذا الحفل يهتز يمينا ويسارا, وكان يتعمد أن ينفخ صدره وهو يقترب منى..الخ.
... وبدأ لى أن كلا من صدقى ومحمد محمود على درجة كبيرة من الذكاء وأنه من السهل أن يخضعا عند الضرورة لتعليمات السفارة.{ص18}..الخ حتى الأمير محمد على تحدث معه فى جنازة الملك فؤاد { توفى 28 أبريل 1936} عن أحقيته فى الوصاية على العرش فأعطاه الانطباع أن طلبه سوف يتحقق.{ص27}. مربية الملك فاروق حتى عاد ملكا من انجلترا مسزتايلور, انجلزية . صيدلى الملك تيترنجتون, انجليزى.مدرسات الأميرات, انجليزيات.
وحتى بعد أن عاد فاروق من انجلترا اختار له السفير مدرسا انجليزيا اسمه فورد. وكان فاروق يزوغ من مدرسه هذا فأعطاه السفير الإنجليزى درسا عن عدم انتظامه مع مدرسه واعترف فاروق بذلك ووعد بالانتظام. كانت معاهدة" الشرف والاستقلال" فى 26 أغسطس 1936. ولكن السفير يذكر فى مذكراته أنه فى 24 ديسمبر 1936 ذكر لفاروق أن حكومة بريطانيا تؤيد أسرته المالكة ولكن هذا التأييد سيتأثر حتما بتصرفاته.{35} واعتذر الملك ووعد باصطحاب مدرسه فورد معه فى رحلته إلأى الصعيد وأنه سيكون ولدا أحسن كثيرا مما مضى.
وحين أخرج الملك وزارة النحاس باشا عام 1937 قال السفير الإنجليزى لعلى ماهر" إن لندن قلقة للغاية من إقدام الملك على طرد النحاس, وإن مثل هذه التصرفات قد تؤدى إلى دمار الملك وربما الأسرة المالكة أيضا... فرجاه ماهر ألا يكون قاسيا على فاروق عند مقابلته بعد ظهر ذلك اليوم" فإن فاروق ما زال غلاما".
ومع ذلك يقول لمبسون فى برقية بعث بها إلى لندن كما جاءت بصفحة 42 من مذكراته"... أبلغته {فاروق} بنفسى أن حكومة الجلالة قلقة من مسار الأحداث فى مصر وأنه قد يكون ماشيا فى الطريق الخاطىء, وأننا لا نستطيع أن نعفيه من الخطأ, كما أن تأييد بريطانيا له سوف يتأثر إذا استمر فى هذا الخطأ , وقد حذرته مرارا من النتائج الخطيرة التى قد تترتب على قراره بطرد النحاس باشا من الحكم رغم أنه يتمتع بأغلبية كبرى فى البرلمان, وقلت له إن هذا خطر على عرشه. وطلبت منه أن يتفق مع النحاس باشا وأن الأوامر الصادرة إلىّ من لندن أن أتحدث إليه { فاروق} بلهجة شديدة. ... وبعد ذلك تلوت عليه التعليمات التى بعثتموها إلىّ من لندن. وقال الملك إنه يفهم ما تريدونه تماما".
ذلك كان الاستقلاق الذى جاءت به معاهد الشرف والاستقلال... استقلال غنيا عن أى تعليق. ومع هذا التسلط من الإنجليز على مقدرات مصر و" رجالات" مصر – وقد تكون كلمة رجالات هنا فى محلها إذا حملناها على أنها جمع مؤنث سالم – قد يكون من المفيد أن ننقل ما ذكره مايلز لمبسون{ لورد كيلرن} عن أسلوب حاييم وايزمان زعيم الحركة الصهيونية حين قابله فى 7 فبراير 1938, فقد ذكر له مهددا أن اليهود قد يصبحون مصدر متاعب لبريطانيا إذا لم يحصلوا على ما يريدونه فى فلسطين. الانجليز يتسلطون على مصر واليهود يتسلطون على الإنجليز.
وفى أوائل فبراير 1940 حضر انتونى إيدن إلى مصر لتحية القوات الإسترالية والنيوزيلنديه والهندية التى جىء بها للقتال, وصحبه السفير مايلز لمبسون لزيارة ولى العهد الأمير محمد على توفيق فشكا لهما من فاروق وذكر لهما أن رئيس الوزراء على ماهر هو السبب, وأنه لا يوثق به بالمرة, وأن شقيقه أحمد ماهر هو الذى قال له ذلك.{ ص51} وطلب إلى ايدن أن يعامل المصريين بحزم لأن معاملتهم بلطف تخرج الأمور من أيديهم(!) هذا محمد على بن الخديو توفيق ومن شابه أباه فما ظلم. كان مازال يتكلم بلغة أبيه حين قال لعرابى قبل ستين عاما" أنتم عبيد إحساناتنا".
وفى 17 يونية 1940 بعد توقيع معاهدة الشرف والاستقلال بأربع سنوات قابل السفير الإنجليزى مايلزلمبسون قابل الملك فاروق فى الإسكندرية وطلب إليه خروج على ماهر من رئاسة الوزارة بشرط ألا يعود إلى القصر رئيسا للديوان, وحذر الملك أن يلعب بالنار, وأخبره أن الجنرال ويفل{ قائد الجيش الإنجليزى} ينتظره ليعرف منه قرار الملك{وفى ذلك تهديد باستخدام القوة}. كما طلب إليه أن يعود إلى االقاهرة. ورفض السفير رجاء من أحمد حسنين باشا أن يمنح على ماهر فرصة أخرى.
وفى أواخر يونية 1940 وافق لمبسون على تعيين حسن صبرى باشا رئيسا للوزارة باعتباره الرجل الذى ترضى عنه بريطانيا{ص53}
كانت فرنسا قد انهارت أمام ألمانيا وحدثت كارثة دنكرك واجتاح هتلر الدانمرك والنرويج. وفى أغسطس 1940 اشتدت الغارات الجوية على المدن المصرية ثم عبرت القوات الإيطالية حدود مصر فى 12 سبتمبر 1940 وفى 28 أكتوبر 1940 غزت إيطاليا اليونان. وتناقش لمبسون مع وزير المالية المصرية عن نقل الغطاء الذهب للبنكنوت المصرى إلى جنوب أفريقيا خوفا من تقدم الغزو الإيطالى. إلا أنه مع ديسمبر 1940 استطاع الإنجليز أن يردوا الإيطاليين وراء حدود مصر.
مـاهــر بعــد النحــاس
بقى مصطفى النحاس باشا فى الحكم من 4 فبراير 1942 حتى آقاله الملك فاروق إقالة مهينة فى سبتمبر 1944 ووجه إليه خطابا جاء فيع إنه عجز عن توفير الغذاء والكساء لشعبه وانه قرر إقالته لتشكيل وزارة تكفل للشعب غذاءه وكساءه.
كانت الوزارة قد استنفدت أغراضها فسمح الإنجليز للملك بإقالتها. وكان الوفد قد فقد تقدير الطبقة المثقفة وتعاطفها بإعتباره قبل علانية العمالة مع الإنجليز. ولم يجده فتيلا دفاعه عن نفسه بأنه قبل الوزارة إنقاذا للعرش. لقد عم الفساد الأحزاب كلها وحمل حزب الوفد كثيرا من ذلك واستطاعت الشيوعية أن تنفذ إلى بعض أجنحته لمقابلة النفوذ الشعبى المتزايد فى سرعة فائقة للإخوان المسلمين فى الريف والحضر, بين الفلاحين والعمال والطلاب والموظفين والعلماء وغيرهم على السواء.
حين يختلف الوفد مع الإخوان فما أسهل على أبواقه وصحافته أن تزعم أن جماعة الإخوان تسترضى الملك, والشيوعيون معهم بعضهم لبعض ظهير. أما حين يصطاف الملك فى كابرى ويخطب النحاس باشا زعيم الوفد فيقول" إن أبصارنا لترنوا إلى تلمك البقعة المباركة من أرض كابرى".. قلنا لعلها تهكم وسخرية, ولكن يعود جلالته من كابرى فيستقبله الباشا مقبلا يده... هذا كله لم يكن استرضاء للملك!!
نعى بعض الكتاب الشيوعيين فى كتب هزيلة حقا على الإخوان المسلمين أ،هم حطموا اللجنة الوطنية وآثروا السير منفردين فى محاولة لتصويرهم إلى جانب الملك حينا أو إلى جانب الإنجليز حينا آخر . وليس أعرق فى الكذب المتعمد والبهتان من هذه المزاعم, ويكفى لدحضها ما تعرض له الإخوان من محن لم يتعرض لمثلها أحد على أيدى حكومات الملك والإنجليز. وبالرغم من أنه ليس لهذه الكتب وزن فى علم التاريخ إلا أن المتأخرين حين يدرسون حركة الإخوان فإنهم يجمعون من كل حدب وصوب ما كتب عنهم, ولا اعتراض على ذلك, إنما الاعتراض أن يحدث دون تمييز بين الغث والسمين. فليس كل من كتب صادق فيما كتب.
لاسيما إذا كان شيوعيا اجتمعت لدية الخصومة والعداوة مع الانحلال واللا أخلاق. إن إصدار كتاب لا يحتاج إلى أكثر من كاتب يكتب وجهة تمول وتوزع , وليس فى ذلك ما يؤهله لأن يصير مرجعا ومصدر للمعلومات. وحين نطالع كتاب " الإخوان المسلمين" وهو الدراسة التى حصل بها ريتشارد ب ميتشل على درجة الدكتوراه من جامعة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية نجده زاخرا بالأخذ عن تلك الهلاهيل المفتراه بما يبعدها فى كثير من أجزائها عن مستوى الدراسة التى تستحق درجة الدكتوراه.
يتعين لاعتماد أى مصدر أن يكون كاتبه معروفا موثوقا به فى مدقه وأمانته أو على الأقل معروف الهوية والاتجاه. فإذا أخذ ميتشل عن مصدر اسمه " الإخوان فى الميزان" للمدعو محمد حسن أحمد – أن طلاب الإخوان قد انسحبوا فى شهر أكتوبر 1945 من اللجنة الوطنية فحصلت هذه اللجنة على تفويض من الطلاب وغيرت اسمها إلى اللجنة التنفيذية بما يعنى أن الحركة الطلابية واصلت مسيرتها دون الإخوان, فإنما هو مجرد إدعاء. لا كانت هناك لجنة وطنية ولا لجنة تنفيذية! وأى معاصر يعلم علم اليقين أن كل ذلك كان أسماء بلا مسميات.
لقد تزعم اليهودى الايطالى المليونير هنرى كورييل الحزب الشيوعى المصرى.فإذا تصدى هؤلاء ليتزعموا المسار الوطنى فسحقهم الإخوان صار الإخوان خونة؟! بكل وضوح..
لقد تزعم الإخوان المسلمون جهاد الطلاب دون منازع فى تلك الفترة. وكان الشيوعيون يعارضون الإخوان على طول الخط, وقد تابعوا موسكو فى الاعتراف بإسرائيل عام 1948, وأعلنوا أنه لا شأن لنا بفلسطين وأن قضيتنا هى مصر. وكذلك فعل الوفد حين أ‘لن الإخوان لمنع الاحتفال بدعوى أننا فى مصر ولسنا فى سوريا ووقع اشتباك بين الطرفين أوضح لمن كانت الأغلبية. كان الإخوان مسلمين, مسلمين فى مشاعرهم, مسلمين فى عواطفهم, مسلمين فى اتجاهاتهم, مسلمين فى سياستهم. وحين رفضوا أن يضعوا يدهم النظيفة فى أيد ملوثة بالشيوعية فهذا أمر طبيعى. كانوا مسلمين يرفضون ماليس إسلاميا فرفضوا الذيلولة لموسكو. وفى ذلك يتمثل الأستاذ حسن البنا بقول الشاعر:
ونحن أناس لا توسط بيننا
- لنا الصدر دون العالميين أو القبر.
انتخابات مزورة
اقال الملك وزارة النحاس وحل مجلس النواب الوفدى وأجريت انتخابات جديدة قاطعها الوفد. وفى هذه الانتخابات رشح الإخوان:
الأستاذ حســن البنـــا .... عن دائـــرة الإسماعيلية
الأستاذ أحمـــد السكرى .... عن دائرة المحمودية –بحيــرة
الأستاذ صالح عشمــاوى .... عن دائرة مصـــر القديمة
الأستاذ عبد الحكيم عابدين .... عن دائرة فدمين – الفيوم
الأستاذ محمد حامد أبو النصر .... عن دائرة منفلــــوط
كما رشح الأستاذ أحمد حسن الباقورى نفسه عن دائرة الخليفة. لم يكن من مرشحى الإخوان وقد أعطاه الإخوان أصواتهم.
لم يكن أحمد ماهر رئيس الوزراء بعد النحاس فى صراحة النحاس. فقد ترك المرشحين يدخلون الانتخابات ثم زورها بحيث لا ينجح منهم أحد وكان التزوير أظهر ما كان فى دائرة الإسماعيلية. كان المرشح المضاد مقاول ممن يتعاونون مع الجيش الإنجليزى تنقل عمال الجيش إلى لجان الانتخابات ببطاقات انتخابية مصنوعة... ثم أ‘لن فوز سليمان عبد وفرح أحمد ماهر.
وقد أراد الأستاذ البنا يضرب المثل فى سماحة الإسلام وأن الإخوان لا يفهمون دينهم على أنه تعصب فكان وكيله فى لجنة الطور يونانى متمصر مسيحى يدعى الخواجة باولو خريستو, وكانت تلك اللفتة الذكية محل تعليق وسخرية من ماهر والنقراشى فى لقائهما مع سعيد رمضان ولم يكن قد بلغ العشرين ولكنه استطاع أن يفحمهما. شهر نوفمبر 1944 أجريت مراسم افتتاح ذلك البرلمان وخرج الملك فاروق الأولى { والأخير} فى عربة ملكية حمراء اللون زاهية مذهبة تجرها الجياد وسط فرسان الحرس الملكى , وكان يجلس عن يسارة ذلك المزور الذى صار رئيسا للوزارة أحمد ماهر باشا, خرجا من سراى عابدين ليلقى ماهر خطاب العرش على أعضاء البرلمان عن لسان الملك. وفى ميدان الأزهار بباب اللوق اتخذنا مواقفنا نهتف بحياة " جلالة الملك", فما أن أهل بطلعته- وكان يبتسم لشعبه وإلى جواره رئيس وزارته يبتسم أيضا حتى رفعنا لافتات كنا نخفضها بسقوط الانتخابات المزورة وارتفعت هتافاتنا عدائية لسقوط تلك الإنتخابات وسقوط ماهر مزور الإنتخابات. وعلى أمتار قليلة منى رأيت ابتسامة الملك تزول لتكسو وجهه سحابة واضحة من الكآبة فى حين استمر المزور الجالس إلى يساره يبتسم.
كنت أردد الهتاف وأنا أقف خلف مأمور قسم شرطة عابدين. واستدار الرجل بكل غيظ وأمسك بتلابيبى وآخرين إلى جوارى, واستعان فى ذلك بجنوده, ثم استوقف سيارة أجرة وفتح بابها ودفعنى داخلها ودفع ورائى الآخرين فأسرعت بفتح الباب الآخر وذهبت منه فى الزحام, أما الآخرون فقد احتجزوا يوما بقسم عابدين قبل أن يفرج عنهم بجهود بعض المحامين. أذكر منهم محمود الشربينى. ولعلها مناسبة لمناقشة من يزعمون أن الإخوان سلكوا أساليب غير قانونية , وكان أحرى بهم أن يكونوا ديمقراطيين وأن يصلوا إلى أهدافهم عن طريق التقدم إلى المجالس النيابية دون اللجوء إلى ما يصفونه " بالعنف" نقول أنه حدث مرة أيام النحاس باشا وحكم الوفد ومرة أخرى أيام أحمد ماهر فزورها كما سبق بيانه. نعم هذه هو الأسلوب الديمقراطى ولكن الحاكم والملك والأحزاب والاحتلال هى التى لم تكن ديمقراطية وهى التى كانت تسلك السبيل غير القانونى وغير الشرعى وكانت لا تستحي أن تزور. فإذا أجرت الانتخابات وزارة وفدية جاء البرلمان وفديا. وإذا أجرتها وزارة سعدية جاء البرلمان سعديا فإذا ذهب الإخوان مذاهب أخرى فقد كان لهم كل العذر بل كل الحق فيما ذهبوا إليه.
وفى ميزان الخاص أن الحكومة التى نزور الانتخابات تفقد شرعيتها إن كانت لها شرعية من بادىء الأمر. وحيل بين الإخوان المسلمين وبين النيابية فى الانتخابات المتعاقبة بدءا من انتخابات 1942 فما بعدها بشتى الوسائل, بالمنع عسفا من الترشيح أو التزوير, أو بحل الجماعة, أو بالعزل السياسى, أو بحياكة قوانين سيئة السمعة تستهدف عدم دخولهم هذه المجالس و كأن يقتصر الترشيح للمجلس على الأحزاب فى حين يمتنع قيام الأحزاب على أسس طائفية ويعد الإسلام من الطائفية!.. الخ, فلم يتسن للإخوان أن يكون لهم أى تمثيل نيابى فى مصر قبل انتخابات 1984, ودخل أفراد معدودون على قائمة حزب الوفد, ثم فى انتخابات 1978 على قائمة حزب العمل. حدث ذلك بعد أن دخل مجلس الشعب بسنوات طويلة العمال والفلاحون والنساء والفئات... وصفات مبتكرة.
قالب:الإخوان والنظام الخاص الجزء الثانى نص عريض[[[عنوان وصلة]ميديا:Example.ogg]]