الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الإسلام والمسلمون الملتزمون بالإسلام»
لا ملخص تعديل |
لا ملخص تعديل |
||
| (٤ مراجعات متوسطة بواسطة مستخدم واحد آخر غير معروضة) | |||
| سطر ١: | سطر ١: | ||
'''الإسلام والمسلمون الملتزمون | <center>'''[[الإسلام]] والمسلمون الملتزمون ب[[الإسلام]]'''</center> | ||
'''بقلم / الأستاذ [[عصام العطار]]'' | |||
[[ملف:عصام-العطار.png|تصغير|<center>'''الأستاذ [[عصام العطار]]'''</center>]] | |||
كتبتْ لي سيّدةٌ مسلمةٌ تعيشُ في بلدٍ أوروبيّ تقولُ ما خلاصتُه : إننا نعيش في الْحَيِّ الذي نُقيمُ فيه بشيءٍ من القَلَق ، فبعضُ الناسِ في حَيِّنا ينظرون إلينا وإلى أبنائنا نظرةَ شَكٍّ وريبة ، وربّما عَبّروا عن خوفِهم من [[الإسلامِ]] والمسلمينَ تصريحاً أو تلْميحاً ، ف[[الإسلامِ]] والمسلمونَ عندَهم ، لا يُرجَى منهم أيُّ خَيْرٍ لِلْغَرْب ، ولا يُؤْمَنُ شرُّهمُ وأَذَاهُمْ في الغرب .. فهلِ [[الإسلامِ]] والمسلمونَ الملْتَزِمونَ بإسلامِهمْ هم في حقيقةِ أمرِهم كما يَظُّنُّ بِهِمْ أوْ يَتّهِمُهمْ هؤلاء ، وهل يُرَبيّ [[الإسلامِ]] أبناءَه حقيقةً على إيذاءِ الآخَرين ، وقَبْضِ أَيْديهِمْ عَمّا ينفعُ البلادَ والعبادَ في البلادِ التي يَعيشونَ فيها مع غير المسلمين ؟! ، أرجو جوابَك على هذا السؤالِ الجارحِ المؤلم | |||
وجوابي القاطِعُ على سؤالِ السيدةِ الكريمة : كلاّ ، بَلْ إنَّ ما يُتَّهَمُ به [[الإسلامِ]] والمسلمونَ الملتزمونَ ب[[الإسلامِ]] يُجَافي الحقيقةَ مجافاةَ النقيضِ للنقيض | |||
فَخيرُ المسلمينَ بمقياس الإسلامِ من يَبْسُطُ يدَه بالخير ، ويُرْجَى منهُ الخير ، ولا يُخْشَى من جانِبِه الشرّ | وقد ذَكَّرَنَا من قريبٍ أخونَا الجليلُ العلاّمةُ الدكتور محمد لطفي الصبّاغ ، بحديث رسولِ الله r الذي رواه أحمدُ والتِّرمِذِيُّ وابنُ حِبّان :'''« أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ ؟ خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ ، وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لاَ يُرْجَى خَيْرُهُ وَلاَ يُؤْمَنُ شَرُّه »''' | ||
فَخيرُ المسلمينَ بمقياس [[الإسلامِ]] من يَبْسُطُ يدَه بالخير ، ويُرْجَى منهُ الخير ، ولا يُخْشَى من جانِبِه الشرّ | |||
وشرُّ المسلمينَ من يُخْشَى من جانبِه الشرّ ، ولا يُرجى منه الخير | وشرُّ المسلمينَ من يُخْشَى من جانبِه الشرّ ، ولا يُرجى منه الخير | ||
ثمَّةَ مقاييسُ وضعَها | ثمَّةَ مقاييسُ وضعَها [[الإسلامِ]] للحكمِ على الناسِ والمفاضلةِ بينَ الناس | ||
ومن هذه المقاييسِ موقفُ المسلمِ مِنَ الناس مسلمينَ كانوا أو غيرَ مسلمين | ومن هذه المقاييسِ موقفُ المسلمِ مِنَ الناس مسلمينَ كانوا أو غيرَ مسلمين | ||
هل يحبُّ لهم الخيرَ ، ويريدُ | هل يحبُّ لهم الخيرَ ، ويريدُ بِهِمُ الخيرَ ، ويُقَدِّمُ لهمُ الخير ، أَمْ لا يحبُّ لهم خَيْراً ، ولا يُريد بِهِمْ خيراً ، وربّما نالَهُمْ منهُ الأذَى | ||
المسلمُ بالمواصفاتِ الأُولَى هو المسلمُ الأفضلُ بمقياسِ | المسلمُ بالمواصفاتِ الأُولَى هو المسلمُ الأفضلُ بمقياسِ [[الإسلامِ]] ، وهو الذي يُجَسِّدُ تعاليمَ [[الإسلامِ]] ، وأخلاقَ الإسلام ، وما يَرجوه [[الإسلامِ]] في أبنائِه ومِنْ أبنائِه ؛ والمسلمُ الآخَرُ بالمواصَفاتِ الأُخرى هو شرُّ المسلمين ، ولا يرضى تَوجُّهَهُ ولا مَسْلَكَهُ [[الإسلام]] . | ||
ويَضْطَرِدُ هذا المقياسُ في علاقاتِ المسلمِ بزوجهِ وأهلهِ وأصحابهِ وجيرانهِ وأقربِ الناس إليه ، وعلاقاتهِ بسائرِ البشرِ ، وسائرِ المخلوقات | ويَضْطَرِدُ هذا المقياسُ في علاقاتِ المسلمِ بزوجهِ وأهلهِ وأصحابهِ وجيرانهِ وأقربِ الناس إليه ، وعلاقاتهِ بسائرِ البشرِ ، وسائرِ المخلوقات | ||
| سطر ٢٨: | سطر ٢٩: | ||
'''يقولُ رسولُ الله :''' | '''يقولُ رسولُ الله :''' | ||
« خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي » رواه ابن حبان وابن ماجة والحاكم وكلمةُ (الأهل) تَعْني في العربيّة الزوجةَ ، كما تعني الأقاربَ والعشيرة | '''« خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي »''' رواه ابن حبان وابن ماجة والحاكم وكلمةُ (الأهل) تَعْني في العربيّة الزوجةَ ، كما تعني الأقاربَ والعشيرة | ||
'''ويقول :''' | '''ويقول :''' | ||
« خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ » رواه أحمد والترمذي | '''« خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ »''' رواه أحمد والترمذي | ||
'''ويقول :''' | '''ويقول :''' | ||
« خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلْنَّاس » رواه الطبراني والدار قطني | '''« خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلْنَّاس »''' رواه الطبراني والدار قطني | ||
ويُفْهَمُ من (الناس) الثانية ما يتجاوزُ حدودَ الزوجةِ والأهلِ والعشيرةِ والأصحابِ والجيرانِ إلى سائرِ البشر | ويُفْهَمُ من (الناس) الثانية ما يتجاوزُ حدودَ الزوجةِ والأهلِ والعشيرةِ والأصحابِ والجيرانِ إلى سائرِ البشر | ||
« الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيالُ اللهِ فأَحبُّهم إليه أنفعُهم لعياله » رواه الطبراني وعبد الرزاق | '''« الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيالُ اللهِ فأَحبُّهم إليه أنفعُهم لعياله »''' رواه الطبراني وعبد الرزاق | ||
وهكذا يَعْطِفُ | وهكذا يَعْطِفُ [[الإسلام]] قلبَ المسلمِ على سائرِ الناس والمخلوقات ، ويجعلُ الأَحَبَّ إلى اللهِ الأحسنَ رِعايةً ونفعاً لِمَنْ خَلَقَ اللهُ ولِمَا خَلَق الله | ||
ولقد وعى سلفُنا الصالحُ هذه المبادئَ والتوجيهاتِ [[الإسلام]]يّة ، وعَبَّرَ عنها بعضُهم أوضحَ تعبيرٍ فقال : | |||
وَخَيْـرُ عِبـادِ اللهِ أنفعُهُمْ لَهُمْ | وَخَيْـرُ عِبـادِ اللهِ أنفعُهُمْ لَهُمْ | ||
::::رَواهُ عنِ الأصحـابِ كلُّ فقِيهِ | |||
أما الخيانةُ والغدرُ وإيذاءُ الجيرانِ في السَّكَنِ والوَطَنِ -كما يَتَخَوَّفُ جيرانُ الأختِ الكريمةِ صاحبة السؤال- فمّما يُحَرِّمُهُ [[الإسلام]] على أبنائِه ، ولا يقبلُه بحالٍ منَ الأحوال | |||
أما الخيانةُ والغدرُ وإيذاءُ الجيرانِ في السَّكَنِ والوَطَنِ -كما يَتَخَوَّفُ جيرانُ الأختِ الكريمةِ صاحبة السؤال- فمّما يُحَرِّمُهُ | |||
واللهُ تعالى يقول : ) ...''' وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً''' ( [الإسراء : 34] | |||
ويقول عن المؤمنين المفلحين : '''( وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ )''' [المؤمنون : 38] | |||
ويقول :'''( ... إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ )''' [الأنفال :58] | |||
'''( ... إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) [البقرة : 190]''' | |||
'''(... إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) [القصص : 77]''' | |||
'''(... وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) [آل عمران : 57]''' | |||
قِيلَ : مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : « الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ » (أي : غوائلَهُ وشُرورَه وأذاه) . | وروى البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة t عنه أن النبي e قال :'''« وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ »'''قِيلَ : مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : '''« الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ »''' (أي : غوائلَهُ وشُرورَه وأذاه) . | ||
وفي رواية لمسلم : '''« لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ »''' وهذا -كما يقول علماؤنا- عَامٌّ في كلِّ جارٍ فَهُوَ يشملُ المسلمَ وغيرَ المسلم . | |||
والمسلم ، بعد كلِّ ما قلناه عن [[الإسلام]] ، بَشَرٌ كَغَيْرِهِ من البشر ، فهو يَعْلَمُ ويَجْهلُ ، ويَقْوَى ويَضْعُف ، ويُصيبُ ويُخطِئ ، ويَخْضَعُ لِمَا يَخضعُ له سِواه من العوامل والمؤثِّرات والظروف : ولكنَّ خَطَأَهُ يَقِلّ ، وصَوابَه يَكْثُر ، وعطاءَهُ الإيجابِيَّ يَزْدَادُ ويزدادُ بمقدارِ إيمانهِ بربّهِ ، ومعرفتهِ بدينهِ ، والتزامِهِ بإسلامهِ ، على الصعيد الفرديّ ، والاجتماعيّ ، والصعيد الوطني والإنساني .. | |||
والمسلم ، بعد كلِّ ما قلناه عن الإسلام ، بَشَرٌ كَغَيْرِهِ من البشر ، فهو يَعْلَمُ ويَجْهلُ ، ويَقْوَى ويَضْعُف ، ويُصيبُ ويُخطِئ ، ويَخْضَعُ لِمَا يَخضعُ له سِواه من العوامل والمؤثِّرات والظروف : ولكنَّ خَطَأَهُ يَقِلّ ، وصَوابَه يَكْثُر ، وعطاءَهُ الإيجابِيَّ يَزْدَادُ ويزدادُ بمقدارِ إيمانهِ بربّهِ ، ومعرفتهِ بدينهِ ، والتزامِهِ بإسلامهِ ، على الصعيد الفرديّ ، والاجتماعيّ ، والصعيد الوطني والإنساني .. | |||
فَعَلى المجتمعاتِ الغَربيّةِ ألاّ تُضَيِّقَ على المسلمينَ في تعلُّم دينِهم ، وممارسةِ حياتهم وشعائرهم ، وألاّ تَخَافَ من المتديّنين الواعينَ المبصرين ، فهؤلاء خيرٌ لهذه المجتمعاتِ ، وأمنٌ لهذه المجتمعاتِ ، وثراءٌ وعطاءٌ على كلّ صعيد | فَعَلى المجتمعاتِ الغَربيّةِ ألاّ تُضَيِّقَ على المسلمينَ في تعلُّم دينِهم ، وممارسةِ حياتهم وشعائرهم ، وألاّ تَخَافَ من المتديّنين الواعينَ المبصرين ، فهؤلاء خيرٌ لهذه المجتمعاتِ ، وأمنٌ لهذه المجتمعاتِ ، وثراءٌ وعطاءٌ على كلّ صعيد | ||
وهنالك أمر لا بدَّ من الإشارة إليه في موضوعنا الذي نتكلم فيه ، وفي كلّ موضوع يتعلّق بالوجود [[الإسلام]]يّ في الغرب ، وفي علاقات [[الإسلام]] والمسلمين بالعالم ، وشعوب العالم ، وحضاراته المختلفة | |||
هذا الأمر هو عجزُ المسلمين الصارخ ، وقصورُهم المخزي في إيصال حقيقة [[الإسلام]] إلى مجتمعاتهم التي يعيشون فيها ، وعالمهم الذي يعيشون فيه ، رغم ما يضعه العصر في أيديهم وأيدي غيرهم من وسائل التقدّم والفعل ، ووسائل الاتصال والتواصل والبيان ؛ ولكن هذا موضوعٌ مصيريٌّ كبيرٌ خطير ، يجب أن نهتمّ به غايةَ الاهتمام ، وأن نستمعَ فيه إلى كثيرين من أصحابِ العلمِ والفكرِ والاختصاصِ الأمناءِ الصادقين | |||
هذا الأمر هو عجزُ المسلمين الصارخ ، وقصورُهم المخزي في إيصال حقيقة الإسلام إلى مجتمعاتهم التي يعيشون فيها ، وعالمهم الذي يعيشون فيه ، رغم ما يضعه العصر في أيديهم وأيدي غيرهم من وسائل التقدّم والفعل ، ووسائل الاتصال والتواصل والبيان ؛ ولكن هذا موضوعٌ مصيريٌّ كبيرٌ خطير ، يجب أن نهتمّ به غايةَ الاهتمام ، وأن نستمعَ فيه إلى كثيرين من أصحابِ العلمِ والفكرِ والاختصاصِ الأمناءِ الصادقين | |||
[[تصنيف:أراء وأفكار]] | [[تصنيف:أراء وأفكار]] | ||
[[تصنيف:أراء وأفكار شرعية]] | [[تصنيف:أراء وأفكار شرعية]] | ||
[[تصنيف:تصفح الويكيبيديا]] | [[تصنيف:تصفح الويكيبيديا]] | ||
[[تصنيف:أراء كبار الإخوان]] | |||
[[تصنيف:المقالة الجيدة]] | |||
المراجعة الحالية بتاريخ ١٩:٢١، ١٤ ديسمبر ٢٠١٠
'بقلم / الأستاذ عصام العطار
كتبتْ لي سيّدةٌ مسلمةٌ تعيشُ في بلدٍ أوروبيّ تقولُ ما خلاصتُه : إننا نعيش في الْحَيِّ الذي نُقيمُ فيه بشيءٍ من القَلَق ، فبعضُ الناسِ في حَيِّنا ينظرون إلينا وإلى أبنائنا نظرةَ شَكٍّ وريبة ، وربّما عَبّروا عن خوفِهم من الإسلامِ والمسلمينَ تصريحاً أو تلْميحاً ، فالإسلامِ والمسلمونَ عندَهم ، لا يُرجَى منهم أيُّ خَيْرٍ لِلْغَرْب ، ولا يُؤْمَنُ شرُّهمُ وأَذَاهُمْ في الغرب .. فهلِ الإسلامِ والمسلمونَ الملْتَزِمونَ بإسلامِهمْ هم في حقيقةِ أمرِهم كما يَظُّنُّ بِهِمْ أوْ يَتّهِمُهمْ هؤلاء ، وهل يُرَبيّ الإسلامِ أبناءَه حقيقةً على إيذاءِ الآخَرين ، وقَبْضِ أَيْديهِمْ عَمّا ينفعُ البلادَ والعبادَ في البلادِ التي يَعيشونَ فيها مع غير المسلمين ؟! ، أرجو جوابَك على هذا السؤالِ الجارحِ المؤلم
وجوابي القاطِعُ على سؤالِ السيدةِ الكريمة : كلاّ ، بَلْ إنَّ ما يُتَّهَمُ به الإسلامِ والمسلمونَ الملتزمونَ بالإسلامِ يُجَافي الحقيقةَ مجافاةَ النقيضِ للنقيض
وقد ذَكَّرَنَا من قريبٍ أخونَا الجليلُ العلاّمةُ الدكتور محمد لطفي الصبّاغ ، بحديث رسولِ الله r الذي رواه أحمدُ والتِّرمِذِيُّ وابنُ حِبّان :« أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ ؟ خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ ، وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لاَ يُرْجَى خَيْرُهُ وَلاَ يُؤْمَنُ شَرُّه »
فَخيرُ المسلمينَ بمقياس الإسلامِ من يَبْسُطُ يدَه بالخير ، ويُرْجَى منهُ الخير ، ولا يُخْشَى من جانِبِه الشرّ
وشرُّ المسلمينَ من يُخْشَى من جانبِه الشرّ ، ولا يُرجى منه الخير
ثمَّةَ مقاييسُ وضعَها الإسلامِ للحكمِ على الناسِ والمفاضلةِ بينَ الناس
ومن هذه المقاييسِ موقفُ المسلمِ مِنَ الناس مسلمينَ كانوا أو غيرَ مسلمين
هل يحبُّ لهم الخيرَ ، ويريدُ بِهِمُ الخيرَ ، ويُقَدِّمُ لهمُ الخير ، أَمْ لا يحبُّ لهم خَيْراً ، ولا يُريد بِهِمْ خيراً ، وربّما نالَهُمْ منهُ الأذَى
المسلمُ بالمواصفاتِ الأُولَى هو المسلمُ الأفضلُ بمقياسِ الإسلامِ ، وهو الذي يُجَسِّدُ تعاليمَ الإسلامِ ، وأخلاقَ الإسلام ، وما يَرجوه الإسلامِ في أبنائِه ومِنْ أبنائِه ؛ والمسلمُ الآخَرُ بالمواصَفاتِ الأُخرى هو شرُّ المسلمين ، ولا يرضى تَوجُّهَهُ ولا مَسْلَكَهُ الإسلام .
ويَضْطَرِدُ هذا المقياسُ في علاقاتِ المسلمِ بزوجهِ وأهلهِ وأصحابهِ وجيرانهِ وأقربِ الناس إليه ، وعلاقاتهِ بسائرِ البشرِ ، وسائرِ المخلوقات
يقولُ رسولُ الله :
« خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي » رواه ابن حبان وابن ماجة والحاكم وكلمةُ (الأهل) تَعْني في العربيّة الزوجةَ ، كما تعني الأقاربَ والعشيرة
ويقول :
« خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ » رواه أحمد والترمذي
ويقول :
« خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلْنَّاس » رواه الطبراني والدار قطني
ويُفْهَمُ من (الناس) الثانية ما يتجاوزُ حدودَ الزوجةِ والأهلِ والعشيرةِ والأصحابِ والجيرانِ إلى سائرِ البشر
« الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيالُ اللهِ فأَحبُّهم إليه أنفعُهم لعياله » رواه الطبراني وعبد الرزاق
وهكذا يَعْطِفُ الإسلام قلبَ المسلمِ على سائرِ الناس والمخلوقات ، ويجعلُ الأَحَبَّ إلى اللهِ الأحسنَ رِعايةً ونفعاً لِمَنْ خَلَقَ اللهُ ولِمَا خَلَق الله
ولقد وعى سلفُنا الصالحُ هذه المبادئَ والتوجيهاتِ الإسلاميّة ، وعَبَّرَ عنها بعضُهم أوضحَ تعبيرٍ فقال :
وَخَيْـرُ عِبـادِ اللهِ أنفعُهُمْ لَهُمْ
- رَواهُ عنِ الأصحـابِ كلُّ فقِيهِ
أما الخيانةُ والغدرُ وإيذاءُ الجيرانِ في السَّكَنِ والوَطَنِ -كما يَتَخَوَّفُ جيرانُ الأختِ الكريمةِ صاحبة السؤال- فمّما يُحَرِّمُهُ الإسلام على أبنائِه ، ولا يقبلُه بحالٍ منَ الأحوال
واللهُ تعالى يقول : ) ... وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ( [الإسراء : 34]
ويقول عن المؤمنين المفلحين : ( وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) [المؤمنون : 38]
ويقول :( ... إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ) [الأنفال :58]
( ... إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) [البقرة : 190]
(... إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) [القصص : 77]
(... وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) [آل عمران : 57]
وروى البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة t عنه أن النبي e قال :« وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ »قِيلَ : مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : « الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ » (أي : غوائلَهُ وشُرورَه وأذاه) .
وفي رواية لمسلم : « لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ » وهذا -كما يقول علماؤنا- عَامٌّ في كلِّ جارٍ فَهُوَ يشملُ المسلمَ وغيرَ المسلم .
والمسلم ، بعد كلِّ ما قلناه عن الإسلام ، بَشَرٌ كَغَيْرِهِ من البشر ، فهو يَعْلَمُ ويَجْهلُ ، ويَقْوَى ويَضْعُف ، ويُصيبُ ويُخطِئ ، ويَخْضَعُ لِمَا يَخضعُ له سِواه من العوامل والمؤثِّرات والظروف : ولكنَّ خَطَأَهُ يَقِلّ ، وصَوابَه يَكْثُر ، وعطاءَهُ الإيجابِيَّ يَزْدَادُ ويزدادُ بمقدارِ إيمانهِ بربّهِ ، ومعرفتهِ بدينهِ ، والتزامِهِ بإسلامهِ ، على الصعيد الفرديّ ، والاجتماعيّ ، والصعيد الوطني والإنساني ..
فَعَلى المجتمعاتِ الغَربيّةِ ألاّ تُضَيِّقَ على المسلمينَ في تعلُّم دينِهم ، وممارسةِ حياتهم وشعائرهم ، وألاّ تَخَافَ من المتديّنين الواعينَ المبصرين ، فهؤلاء خيرٌ لهذه المجتمعاتِ ، وأمنٌ لهذه المجتمعاتِ ، وثراءٌ وعطاءٌ على كلّ صعيد
وهنالك أمر لا بدَّ من الإشارة إليه في موضوعنا الذي نتكلم فيه ، وفي كلّ موضوع يتعلّق بالوجود الإسلاميّ في الغرب ، وفي علاقات الإسلام والمسلمين بالعالم ، وشعوب العالم ، وحضاراته المختلفة
هذا الأمر هو عجزُ المسلمين الصارخ ، وقصورُهم المخزي في إيصال حقيقة الإسلام إلى مجتمعاتهم التي يعيشون فيها ، وعالمهم الذي يعيشون فيه ، رغم ما يضعه العصر في أيديهم وأيدي غيرهم من وسائل التقدّم والفعل ، ووسائل الاتصال والتواصل والبيان ؛ ولكن هذا موضوعٌ مصيريٌّ كبيرٌ خطير ، يجب أن نهتمّ به غايةَ الاهتمام ، وأن نستمعَ فيه إلى كثيرين من أصحابِ العلمِ والفكرِ والاختصاصِ الأمناءِ الصادقين