الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الحركة الإسلامية بين العزائم والرخص»

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
(أنشأ الصفحة ب'لعل من أهم ما يميز التشريع الإسلامي مرونته ، ومن أمارات هذه المرونة أن التشريع الإسلامي يضع ال…')
 
لا ملخص تعديل
 
(٨ مراجعات متوسطة بواسطة ٤ مستخدمين غير معروضة)
سطر ١: سطر ١:
لعل من أهم ما يميز التشريع الإسلامي مرونته ، ومن أمارات هذه المرونة أن التشريع الإسلامي يضع الحلول التي تنفس عن المسلمين كربة تلاقيهم ، فيها مشقة غير عادية ولا محتملة.
'''<center>الحركة [[الإسلام]]ية بين العزائم والرخص</center>'''




ولعلي أوضح أمراً قبل أن ألج في موضوع « العزيمة والرخصة » فأقول: ينبغي ألا تُجعل خصيصة ما من خصائص التشريع الإسلامي مصدراً من مصادره ؛ فتحولُ المرونة أو التيسير أو التخفيف إلى مصادر يخالف طبائعها ، فالمصدر هو الذي تستنبط الأحكام منه أو به ، أما الخصيصة فهي ناتجة عن النظر لمجمل التشريعات ؛ فيستخلص من هذا النظر رابط وجامع بين تلك الجزئيات ؛ فالخلط بين المصدر وبين الخصيصة خلط عجيب !!.


[[ملف:القرأن.jpg|إطار]]


الرخصة هي: الأحكام التي شرعها الله تعالى بناءً على أعذار العباد رعاية لحاجتهم مع بقاء السبب الموجب للحكم الأصلي.
لعل من أهم ما يميز التشريع [[الإسلام]]ي مرونته ، ومن أمارات هذه المرونة أن التشريع [[الإسلام]]ي يضع الحلول التي تنفس عن المسلمين كربة تلاقيهم ، فيها مشقة غير عادية ولا محتملة.




والعزيمة هي: ما يقابل الرخصة من أحكام.(1)
ولعلي أوضح أمراً قبل أن ألج في موضوع « العزيمة والرخصة » فأقول: ينبغي ألا تُجعل خصيصة ما من خصائص التشريع [[الإسلام]]ي مصدراً من مصادره ؛ فتحولُ المرونة أو التيسير أو التخفيف إلى مصادر يخالف طبائعها ، فالمصدر هو الذي تستنبط الأحكام منه أو به ، أما الخصيصة فهي ناتجة عن النظر لمجمل التشريعات ؛ فيستخلص من هذا النظر رابط وجامع بين تلك الجزئيات ؛ فالخلط بين المصدر وبين الخصيصة خلط عجيب !!.
 
 
'''الرخصة هي :''' الأحكام التي شرعها الله تعالى بناءً على أعذار العباد رعاية لحاجتهم مع بقاء السبب الموجب للحكم الأصلي.
 
 
'''والعزيمة هي :''' ما يقابل الرخصة من أحكام.(1)




سطر ٢١: سطر ٢٧:




 
== حكم الرخصة ==
== حكم الرخصة: ==


الأصل في الرخصة الإباحة ، مثل الفطر في رمضان للمسافر والمريض وغير ذلك ، ولكن ينبغي التنبه إلى أن الحكم الثابت للرخصة يختلف من شخص لآخر ، أو بتعبير الشاطبي « كل أحد في الأخذ بها فقيه نفسه »(3) ، ومرد هذا أن الرخصة قائمة على العذر ، والعواملُ المؤثرة فيه وجوداً وقوة متعددةٌ منها: الزمان والمكان والأحوال والأعمال والشخص ذاته. فما يمكن أن يكون رخصة لشخص ليس بالضرورة أن يكون كذلك لآخر.
الأصل في الرخصة الإباحة ، مثل الفطر في رمضان للمسافر والمريض وغير ذلك ، ولكن ينبغي التنبه إلى أن الحكم الثابت للرخصة يختلف من شخص لآخر ، أو بتعبير الشاطبي « كل أحد في الأخذ بها فقيه نفسه »(3) ، ومرد هذا أن الرخصة قائمة على العذر ، والعواملُ المؤثرة فيه وجوداً وقوة متعددةٌ منها: الزمان والمكان والأحوال والأعمال والشخص ذاته. فما يمكن أن يكون رخصة لشخص ليس بالضرورة أن يكون كذلك لآخر.




سطر ٣٢: سطر ٣٦:




 
'''رد الرخص :''' لا ينبغي رد الرخص التي رخصها الله سبحانه وتعالى وعدم الأخذ بها دائماً وأبداً ، ولكنا نرى حركات إسلامية يقوم جل شأنها على التشدد في الأخذ بالعزائم بين أفرادها أخذاً دائماً لا يختل ، ومطالبة الناس بذلك ، ومحاسبة من حاد عن هذا الطريق !!.
 
رد الرخص: لا ينبغي رد الرخص التي رخصها الله سبحانه وتعالى وعدم الأخذ بها دائماً وأبداً ، ولكنا نرى حركات إسلامية يقوم جل شأنها على التشدد في الأخذ بالعزائم بين أفرادها أخذاً دائماً لا يختل ، ومطالبة الناس بذلك ، ومحاسبة من حاد عن هذا الطريق !!.




سطر ٤٦: سطر ٤٨:




وفي الحديث الآخر: « إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته » وفي رواية « كما يحب أن تؤتى عزائمه ». (5)
'''وفي الحديث الآخر:''' « إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته » وفي رواية « كما يحب أن تؤتى عزائمه ». (5)




سطر ٥٥: سطر ٥٧:




الإفراط في الرخص: كما يراعى عدم العمل بالرخص دائماً وأبداً ، فإنه يراعى أيضا عدم التوسع في الأخذ بها ، إذ أن ذلك يؤدي إلى ضعف العزائم ، والاعتياد على اليسير من الأمور دون الشاق منها ، وعندئذ يصعب على المرء المسلم من التكاليف التي يرى فيها نوعاً من المشقة التي لا يتحملها ، وهي في حقيقتها محتملة بمقياس الشرع ، ولكن ضعفت النفس أو تعودت على اليسر والسهولة فشق عليها ما لم يشق على غيرها. قال المتنبي:
'''الإفراط في الرخص :''' كما يراعى عدم العمل بالرخص دائماً وأبداً ، فإنه يراعى أيضا عدم التوسع في الأخذ بها ، إذ أن ذلك يؤدي إلى ضعف العزائم ، والاعتياد على اليسير من الأمور دون الشاق منها ، وعندئذ يصعب على المرء المسلم من التكاليف التي يرى فيها نوعاً من المشقة التي لا يتحملها ، وهي في حقيقتها محتملة بمقياس الشرع ، ولكن ضعفت النفس أو تعودت على اليسر والسهولة فشق عليها ما لم يشق على غيرها. قال المتنبي:


على قدر أهل العزم تأتي العزائم


وتعظم في عين الصغير صغارها
على قدر أهل العزم تأتي العزائم        وتعظم في عين الصغير صغارها


وتأتي على قدر الكرام المكارم          وتصغر في عين العظيم العظائم




وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتصغر في عين العظيم العظائم




'''وقال البوصيري :'''


 
والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على         حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وقال البوصيري:
 
والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على   حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
 




سطر ٨٥: سطر ٨٢:


وأظن أن تلك محاولات رخيصة مكشوفة ، لتملق الناس واستمالتهم على حساب دين الله عز وجل.
وأظن أن تلك محاولات رخيصة مكشوفة ، لتملق الناس واستمالتهم على حساب دين الله عز وجل.




نعم! قد كان رسول الله e يخفف على الناس ، وأنه e ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً (8) ، ولكن في ذات الوقت كان رسول الله e يربي أصحابه على الأخذ بقوة ، وأن هذا الدين يحتاج إلى العزم في الأخذ به.
نعم! قد كان رسول الله e يخفف على الناس ، وأنه e ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً (8) ، ولكن في ذات الوقت كان رسول الله e يربي أصحابه على الأخذ بقوة ، وأن هذا الدين يحتاج إلى العزم في الأخذ به.




سطر ٩٥: سطر ٩٠:




لا ينبغي أن تكون مسائل العزيمة والرخصة أسلحة الحرب والمناوشات بين الفصائل الحركية المختلفة ، أو بين الدعاة الإسلاميين ، فمن مظاهر الخلل الفكري والأخلاقي القائم في حياتنا المعاصرة أن نجد حركة تشدد في الأخذ بالعزائم ، فتقوم أخرى مقابلها تلتقط الرخص فتعرضها على الناس مبينة شدة الأولى ، أو يكون نقيض هذا !! أو نرى عالماً تكون من طبيعته الترخص عملاً أو إفتاءً ، فيرد عليه آخر بنقيض منهجه رامياً إياه بالتفلت والتساهل في دين الله عز وجل !! فيرمي هذا مخالفه بالتفلت ، ويرمي ذاك مخالفه بالتشدد !!.
لا ينبغي أن تكون مسائل العزيمة والرخصة أسلحة الحرب والمناوشات بين الفصائل الحركية المختلفة ، أو بين [[الدعاة]] [[الإسلام]]يين ، فمن مظاهر الخلل الفكري والأخلاقي القائم في حياتنا المعاصرة أن نجد حركة تشدد في الأخذ بالعزائم ، فتقوم أخرى مقابلها تلتقط الرخص فتعرضها على الناس مبينة شدة الأولى ، أو يكون نقيض هذا !! أو نرى عالماً تكون من طبيعته الترخص عملاً أو إفتاءً ، فيرد عليه آخر بنقيض منهجه رامياً إياه بالتفلت والتساهل في دين الله عز وجل !! فيرمي هذا مخالفه بالتفلت ، ويرمي ذاك مخالفه بالتشدد !!.




 
والأمر حين يكون منهجياً وقائماً على أسس وضوابط مقبولة شرعاً فلا بأس به ، أما أن يكون إظهاراً لعورات الآخر ، أو استمالة لجمهور من العوام أو [[الإسلام]]يين فكلا وألف كلا ، فدين الله تعالى أسمى من هذا وأجل.
والأمر حين يكون منهجياً وقائماً على أسس وضوابط مقبولة شرعاً فلا بأس به ، أما أن يكون إظهاراً لعورات الآخر ، أو استمالة لجمهور من العوام أو الإسلاميين فكلا وألف كلا ، فدين الله تعالى أسمى من هذا وأجل.




سطر ١٠٨: سطر ١٠٢:




الأول: أنه لا يجوز أن يتواطأ الناس على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذ أن هذا يؤدي إلى التباس المفاهيم على الناس ، وطمس أو تشويه الحقائق الإسلامية المختلفة ، فيصعب بعدئذ إصلاحها. فجواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو لأفراد الناس أما الكل فلا.
الأول: أنه لا يجوز أن يتواطأ الناس على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذ أن هذا يؤدي إلى التباس المفاهيم على الناس ، وطمس أو تشويه الحقائق [[الإسلام]]ية المختلفة ، فيصعب بعدئذ إصلاحها. فجواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو لأفراد الناس أما الكل فلا.




سطر ١١٥: سطر ١٠٩:




==  الهـوامـش ==




1.الوجيز - زيدان ، ص50 ؛ أصول الفقه - أبو زهرة ، ص40 ؛ أصول الفقه - الزحيلي ، (1/109) ؛  الموافقات - الشاطبي (1/301).


==  الهـوامـش: ==
2.الموافقات - الشاطبي ، (1/302).
 


1.       الوجيز - زيدان ، ص50 ؛ أصول الفقه - أبو زهرة ، ص40 ؛ أصول الفقه - الزحيلي ، (1/109) ؛  الموافقات - الشاطبي (1/301).
3.الموافقات - الشاطبي ، (1/314).


2.       الموافقات - الشاطبي ، (1/302).
4.الفتح (4/206).


3.       الموافقات - الشاطبي ، (1/314).
5.أحمد وابن حبان وابن خزيمة ، وهو حديث صحيح بروايته كما ذكر ذلك الألباني في الإرواء (3/29).


4.       الفتح (4/206).
6. في مواضع في القرآن الكريم: البقرة: 63 ، 93 ؛ الأعراف: 145 - 171 ؛  مريم: 12.


5.       أحمد وابن حبان وابن خزيمة ، وهو حديث صحيح بروايته كما ذكر ذلك الألباني في الإرواء (3/29).
7.لقمان : 17 ؛ آل عمران : 186 ؛ الشورى : 43 ؛ الأحقاف : 35.


6.       في مواضع في القرآن الكريم: البقرة: 63 ، 93 ؛ الأعراف: 145 - 171 ؛  مريم: 12.
8.حديث متفق عليه.


7.       لقمان : 17 ؛ آل عمران : 186 ؛ الشورى : 43 ؛ الأحقاف : 35.
9.رواه مسلم.


8.       حديث متفق عليه.
10.رواه البخاري.


9.        رواه مسلم.


10.  رواه البخاري.
[[تصنيف:أراء وأفكار]]


[http://www.iid-alraid.de/Alraid/Html/a181ai75n03.mht أبو عبيده علي أحمد] مجلة الرائد عدد181
[[تصنيف:تصفح الويكيبيديا]]
[[تصنيف:أراء وأفكار شرعية]]

المراجعة الحالية بتاريخ ٠٤:٠٦، ١٨ ديسمبر ٢٠١٠

الحركة الإسلامية بين العزائم والرخص


القرأن.jpg

لعل من أهم ما يميز التشريع الإسلامي مرونته ، ومن أمارات هذه المرونة أن التشريع الإسلامي يضع الحلول التي تنفس عن المسلمين كربة تلاقيهم ، فيها مشقة غير عادية ولا محتملة.


ولعلي أوضح أمراً قبل أن ألج في موضوع « العزيمة والرخصة » فأقول: ينبغي ألا تُجعل خصيصة ما من خصائص التشريع الإسلامي مصدراً من مصادره ؛ فتحولُ المرونة أو التيسير أو التخفيف إلى مصادر يخالف طبائعها ، فالمصدر هو الذي تستنبط الأحكام منه أو به ، أما الخصيصة فهي ناتجة عن النظر لمجمل التشريعات ؛ فيستخلص من هذا النظر رابط وجامع بين تلك الجزئيات ؛ فالخلط بين المصدر وبين الخصيصة خلط عجيب !!.


الرخصة هي : الأحكام التي شرعها الله تعالى بناءً على أعذار العباد رعاية لحاجتهم مع بقاء السبب الموجب للحكم الأصلي.


والعزيمة هي : ما يقابل الرخصة من أحكام.(1)


أي أن الرخصة تكون حين يوجد عذر لبعض الناس ، واعتبار الشارع هذا العذر مخففاً لمن تلبس به ، فينتقل الحكم في حقه إلى آخر مخففاً ، مع بقاء الحكم الأصلي ، بمعنى أنه عند زوال العذر يعود الحكم الأصلي مرة أخرى ، وعليه يكون الحكم المخفف هو الرخصة ، والحكم الأصلي المقابل له هو العزيمة.


ومن هنا فإنه لا يدخل تحت مسمى الرخصة تلك الأحكام التي شرعت تخفيفاً ، وصار تشريعها مستقراً لا يرتبط بالحاجة التي شرع من أجلها ، أي يجوز للمرء فعلها ولو لم يكن به نفس العذر أو الحاجة.(2)


ومن هذا القبيل القِراض (المضاربة) وهو أن يدفع المالك مالاً إلى العامل ليتجر فيه ، ويكون الربح مشتركاً بينهما بحسب ما اشترطا. وقد شرع القراض أولاً بناءً على حاجة أرباب الأموال الذين لا يستطيعون الضرب في الأرض ، وعلى حاجة ذوي الخبرة الذين لا يجدون مالاً يتجرون فيه. وبعد مشروعية القراض بناءً على الحاجة استقر تشريعه فصار جائزاً للكل سواء كان رب المال قادراً أم لا ، وسواء كان العامل محتاجاً إلى المال أم لا.


حكم الرخصة

الأصل في الرخصة الإباحة ، مثل الفطر في رمضان للمسافر والمريض وغير ذلك ، ولكن ينبغي التنبه إلى أن الحكم الثابت للرخصة يختلف من شخص لآخر ، أو بتعبير الشاطبي « كل أحد في الأخذ بها فقيه نفسه »(3) ، ومرد هذا أن الرخصة قائمة على العذر ، والعواملُ المؤثرة فيه وجوداً وقوة متعددةٌ منها: الزمان والمكان والأحوال والأعمال والشخص ذاته. فما يمكن أن يكون رخصة لشخص ليس بالضرورة أن يكون كذلك لآخر.


قضايا حركية في العزيمة والرخصة

رد الرخص : لا ينبغي رد الرخص التي رخصها الله سبحانه وتعالى وعدم الأخذ بها دائماً وأبداً ، ولكنا نرى حركات إسلامية يقوم جل شأنها على التشدد في الأخذ بالعزائم بين أفرادها أخذاً دائماً لا يختل ، ومطالبة الناس بذلك ، ومحاسبة من حاد عن هذا الطريق !!.


إن الأخذ بقوة مطلوب ومرغوب فيه ، ولكنه حين لا يكون في موضعه فهو مذموم مردود غير مقبول.


وحين نهى رسول الله e أصحابه عن الوصال فلم ينتهوا واصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال فقال: « لو تأخر الشهر لزدتكم » كالمنكل لهم حيث أبوا أن ينتهوا. وقال: « لو مد لنا في الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم ».


قال الحافظ ابن حجر في الفتح: « والمراد بقوله “ لو تأخر لزدتكم ” أي في الوصال إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التخفيف عنكم بتركه ، وكما أشار عليهم أن يرجعوا من حصار الطائف فلم يعجبهم ؛ فأمرهم بمباكرة القتال من الغد ، فأصابتهم جراح وشدة ، وأحبوا الرجوع فأصبح راجعاً بهم فأعجبهم ذلك ».(4)


وفي الحديث الآخر: « إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته » وفي رواية « كما يحب أن تؤتى عزائمه ». (5)


وقد يقول البعض أن رسول الله e كان يفعل بعض الرخص إثباتاً للجواز ، ودفعاً للحرج عن الأمة ، وهذا الاعتراض يدفعه ما ثبت عن رسول الله e ، فلقد كان من الحالات التي ترخص فيها رسول الله e أن كان خالياً لا يطلع عليه أحد من غير أهل بيته.


وينبغي الإشارة هنا إلى الفرق بين العزيمة كحكم مقابل للرخصة ، وبين الأخذ بقول من الأقوال في مسألة ما إن كان القول شديداً أو هو الأشد ، فهذا ترجيح لقول من الأقوال وليس من باب العزائم.


الإفراط في الرخص : كما يراعى عدم العمل بالرخص دائماً وأبداً ، فإنه يراعى أيضا عدم التوسع في الأخذ بها ، إذ أن ذلك يؤدي إلى ضعف العزائم ، والاعتياد على اليسير من الأمور دون الشاق منها ، وعندئذ يصعب على المرء المسلم من التكاليف التي يرى فيها نوعاً من المشقة التي لا يتحملها ، وهي في حقيقتها محتملة بمقياس الشرع ، ولكن ضعفت النفس أو تعودت على اليسر والسهولة فشق عليها ما لم يشق على غيرها. قال المتنبي:


على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتعظم في عين الصغير صغارها

وتأتي على قدر الكرام المكارم وتصغر في عين العظيم العظائم



وقال البوصيري :

والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم


والشرع وإن كان فيه من التيسير على الناس حين المشقات ، والتخفيف عنهم ، إلا أنه ما كان يهمل الجانب الآخر ، فقد جاء الأمر بالأخذ بقوة(6) كما مدح العزم وأولو العزم.(7)


إذن فالموقف المطلوب هو التوسط في الأخذ بالعزائم أو الرخص ، فتؤخذ العزائم تارة ويكون قصد المسلم أن يأخذ نفسه بالشدائد تربية لها واقتداءً بالسابقين ، ومن قبل لأن الله يحب أن تؤتى عزائمه ، ويأخذ أخرى بالرخص تخفيفاً على النفس كي تكون قادرة على الالتزام بسائر التشريعات ، واقتداءً بالسابقين ، ومن قبل لأن الله يحب أن تؤتى رخصه.


أما أن تقوم حركة من الحركات ويكون منهجها قائماً على الترخص الدائم عملاً به في نطاقها ، ودعوة للناس وإفتاءً لهم ، فهذا مردود لا يحبه الله ، فالله يحب إتيان عزائمه من خواص الناس وعوامهم على السواء.


وأظن أن تلك محاولات رخيصة مكشوفة ، لتملق الناس واستمالتهم على حساب دين الله عز وجل.


نعم! قد كان رسول الله e يخفف على الناس ، وأنه e ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً (8) ، ولكن في ذات الوقت كان رسول الله e يربي أصحابه على الأخذ بقوة ، وأن هذا الدين يحتاج إلى العزم في الأخذ به.


لقد كان من أوائل ما نزل على رسول الله e في مكة قوله تعالى { إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً } (المزمل:5) ، وحين اشتكى الصحابة لرسول الله e حر الظهيرة ورغبوا أن يؤخر لهم صلاة الظهر عن حر الظهيرة ، أي عن أول وقتها ، لم يُزل e عنهم الشكوى(9) ، وفي حديث خباب غضب رسول الله e حين طلب منه الصحابة أن يدعو الله لهم بالتخفيف ، وذكرهم بمن كان قبلهم ممن لاقوا شدة في تحمل الدين.(10)


لا ينبغي أن تكون مسائل العزيمة والرخصة أسلحة الحرب والمناوشات بين الفصائل الحركية المختلفة ، أو بين الدعاة الإسلاميين ، فمن مظاهر الخلل الفكري والأخلاقي القائم في حياتنا المعاصرة أن نجد حركة تشدد في الأخذ بالعزائم ، فتقوم أخرى مقابلها تلتقط الرخص فتعرضها على الناس مبينة شدة الأولى ، أو يكون نقيض هذا !! أو نرى عالماً تكون من طبيعته الترخص عملاً أو إفتاءً ، فيرد عليه آخر بنقيض منهجه رامياً إياه بالتفلت والتساهل في دين الله عز وجل !! فيرمي هذا مخالفه بالتفلت ، ويرمي ذاك مخالفه بالتشدد !!.


والأمر حين يكون منهجياً وقائماً على أسس وضوابط مقبولة شرعاً فلا بأس به ، أما أن يكون إظهاراً لعورات الآخر ، أو استمالة لجمهور من العوام أو الإسلاميين فكلا وألف كلا ، فدين الله تعالى أسمى من هذا وأجل.


الرخصة من طبيعتها - غالباً - التوقيت والخصوصية ، ولذا فيفتى بها لكل شخص منفرداً ، إذ يجب معرفة حاله ، والظرف الذي طرأ عليه ، وهل يمكن أن يكون مؤثراً في الحكم أم لا ؟!.


من الرخص التي يجوز للمرء - حين توفر دواعيها وشروطها - رخصة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد أو اللسان ، ولكن ينبغي مراعاة أمرين:


الأول: أنه لا يجوز أن يتواطأ الناس على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذ أن هذا يؤدي إلى التباس المفاهيم على الناس ، وطمس أو تشويه الحقائق الإسلامية المختلفة ، فيصعب بعدئذ إصلاحها. فجواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو لأفراد الناس أما الكل فلا.


الثاني: أنه وإن جاز للمسلم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رخصة حين تحققها ، إلا أنه إن أخذ بالعزيمة وأظهر الحق جلياً فلم يخش في الله عز وجل لومة لائم كان ثوابه أعظم ، ومكانته عند الله أجل وأرفع.


الهـوامـش

1.الوجيز - زيدان ، ص50 ؛ أصول الفقه - أبو زهرة ، ص40 ؛ أصول الفقه - الزحيلي ، (1/109) ؛ الموافقات - الشاطبي (1/301).

2.الموافقات - الشاطبي ، (1/302).

3.الموافقات - الشاطبي ، (1/314).

4.الفتح (4/206).

5.أحمد وابن حبان وابن خزيمة ، وهو حديث صحيح بروايته كما ذكر ذلك الألباني في الإرواء (3/29).

6. في مواضع في القرآن الكريم: البقرة: 63 ، 93 ؛ الأعراف: 145 - 171 ؛ مريم: 12.

7.لقمان : 17 ؛ آل عمران : 186 ؛ الشورى : 43 ؛ الأحقاف : 35.

8.حديث متفق عليه.

9.رواه مسلم.

10.رواه البخاري.