جمال عبد الناصر وحادثة المنشية بالأسكندرية
بقلم / الأستاذ عباس حسن السيسي
الإهداء
• إلى مواكب شهداء الإسلام في مصر، وفي كل عصر، وفي كل مكان، إلى الخالدين في جنات النعيم فرحين بما آتاهم الله من فضله.
• إلى الذين يحسنون صناعة الموت ويهفون إلى الموتة الشريفة ويتنسمون ريح الجنة ولما يلحقوا بإخوانهم من الشهداء.
• وإلى الذين تآمروا على الإسلام والحركة الإسلامية في ليل أسود فَشرَّدوا وعَذَّبوا وقتَّلوا ومثَّلوا بشباب وفتيات هذه الأمة بما لم يخطر على بال إنس ولا جان؛ الذين حاربوا الدعوة إلى الله بمكر الليل وكيد النهار فوسوست لهم شياطين الشرق والغرب أعداء الله ورسوله وكتابه-فأذاقوا الشعوب مر العذاب بشعارات الكذب والنفاق.
• إلى الطغاة الجبارين الذين سترتهم إلى حين أجهزة الفساد والظلم والطغيان وغرتهم الحياة الدنيا.
• إلى الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيه الفساد، إلى الذين أقسموا من قبل ما لهم من زوال... نقول لهم قد كشف اله أستاركم وفضح مكركم وأخرج أضغانكم وغدا تبلى السرائر فلا يكون لكم من قوة ولا ناصر وتسمعون في ذلة وهوان:
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُون﴾[سورة الأنعام: 94].
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُور﴾[آل عمران: 186].
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾[إبراهيم 42-47].
منذ سمعت طلقات الرصاص على جمال عبد الناصر مساء الثلاثاء 26من أكتوبر 1954 في ميدان المنشية بالاسكندرية –حيث كنت محبوسا في زنزانة بالسجن الحربي بالعباسية بالقاهرة.
وأنا أعيش هذا الحادث بكل كياني ووجداني فلا يغيب عن خاطري ولا أنساه، ذلك لأنه أصابني في الأعماق في دعوتي وفي حياتي وأصبح همي في الحياة أن أكشف الغطاء الكثيف عن الحقيقة التي غيبوها عن الأجيال بكل وسائل الزيف والخداع والتضليل الذي مارسوه بإتقان.
إن دهاقنة المكر والخداع أخرجوا هذه التمثيلية وحرقوا لها البخور وقدموا لها القرابين- كما كان يفعل المشركون مع أصنامهم التي صنعوها بأيديهم ثم لها يعبدون يسجدون، إنهم ليعلمون أن هذا الحادث مزيف كما يعرفون أبناءهم ولكنهم يخدعون أنفسهم ليخدعوا غيرهم ويموهوا عليهم –لأنهم سدنة الطاغوت، فأرزاقهم ومراكزهم ومظاهرهم مرهونة به ونظامه.
ويوم أذيع هذا الحادث في وسائل الإعلام –رفضته جماهير شعب مصر الواعية –حتى انتشر بين الناس (أنها تمثيلية) وقد قبض على بعضهم وصدرت ضدهم أحكام.
فالأمر كان مكشوفا وملفقا ... وفي نفس الوقت خرجت الإذاعة بأغنية لأم كلثوم مطلعها (يا جمال يا مثال الوطنية... أجمل أعيادنا القومية بنجاتك يوم المنشية) وظلت الإذاعة ترددها صباح مساء كما كنا وعلى رأسنا فضيلة المرشد حسن الهضيبي وقيادة الإخوان نرددها في الطوابير على صوت المذياع ولذع الكرباج. ويبدو أن الطغاة ق خجلوا من الكذب فأذاعوا هذه الأغنية بعد ذلك خالية من كلمة بنجاتك يوم المنشية!؟
وإنه كثيرا ما تقع حوادث جنائية ويتعذر رجال المباحث الجنائية الوصول إلى الجاني فتكتب القضية ضد مجهول كما حدث في اغتيال حسن البنا في13 فبراير 1949... وتمضي الأيام وتكشف الحقيقة ولو بعد حين.
وحين تتكرر الجريمة بأسلوب واحد أكثر من مرة فإن الاتهام يكون أكثر وضوحًا وانطباقا على الجاني الأثيم.
فقد تكررت في عهد عبد الناصر تلك الأساليب مرات ومرات في مؤامرة دولية واغتيالات فردية وقتل على أعواد المشانق للتمكين لنفسه وإرهاب المناهضين لحكمه الإرهابي وما حدث في حرب اليمن ونيجيريا. ومقتل خميس والبقري في حوادث كفر الدوار.
وما قيل حول مقتل المشير عامر وغير ذلك كثير، وهذا فضا عما نقرأه كل يوم عن الكوارث والنكبات والخيانات في الحروب الفاشلة التي توجت هاماتنا بالخزي والعار.
العجيب المحير للعقول أنه لم تكن هناك عداوة شخصية بين أحد من الإخوان وهؤلاء الذين تزعموا حركة 23 يوليو، حتى يمكن أن يقال أن هذا الذي حدث هو تصفية حسابات قديمة.
بل بالعكس فإن المعروف للناس جميعا أن جماعة الإخوان قامت بنصيب كبير في إنجاح هذه الحركة.. حتى صار معروفا لدى القاضي والداني أن الإخوان المسلمون هم أصحاب الحركة.
ولقد اتضح بعد هذه المجازر التي تجاوزت كل المعقول أن الحركة إنما قامت لمحاربة فكر الإخوان المسلمون في الصميم.
فإن ما حدث في المنشية لا يستدعي على الإطلاق حرب الإبادة التي شنها نظام عبد الناصر على الإخوان ودعوتهم، إنه مجرد شروع في قتل لم يُصّب منه عبد الناصر بسوء سوى قلم الحبر الأحمر الذي كسره فسال على سترته ليوهم البسطاء أن دم عبد الناصر قد تفجر فيثور الشعب ويتشنج طبقا للخطة المرسومة بدقة وإتقان وكم تقع في جميع الدول الكبرى مثل هذه الحوادث بل أبشع وأفظع فلا يتعدى الأمر اللجوء إلى سلطة القانون وفي حدود العدد القليل المشتبه فيه حتى تثبت إدانته.
ولكن عبد الناصر يفتخر أنه استطاع في يوم واحد أن يعتقل ثمانية عشر ألفا من الإخوان دون جريرة أو جريمة.
ناهيك عن الذين علقوا على المشانق وقتلوا ودفنوا في جبل المقطم وسجون عبد الناصر شاهدة على ذلك وإنها ملحمة ليس لها من مثيل.
إن حادث المنشية هو بداية حشد قوى الكراهية والبغض تجاه الطغاة في نفوس الشباب المسلم البريء. الشباب الذي أصيب بأكثر وأشد وأعتى صدمة في حياته الشبابية.
كان الشباب في بداية تخلصه من الاستعمار الإنجليز، وأمله فسيح في مستقبل الحرية التي كثيرا ما ضحى في سبيلها. ثم هو اليوم في مستهل حياته الجديدة يقع أسير الوهم والتضليل يصاب بنكسة لم يكن يتصورها أو يتخيلها –لقد عوملنا في عهد الاستعمار البريطاني معاملة لا تقاس بما نعامل به في ظل الحكم الوطني المزعوم.
إن حادث المنشية الذي كشف المؤامرة ضد الإسلام وذبح أبنائه وإبادتهم... هذا الحادث وما تبعه من أحداث لم يراع فيها الطغاة إلا ولا ذمة، هذا الحادث المزيف قد أورثنا البغض والكراهية وترك في نفوسنا جروحا مريرة غائرة.. لقد رأينا القادة والساسة على طبيعتهم رأي العين. رأينا الديكتاتورية في أوج سلطانها.
رأينا أسوأ أخلاق في اختلاق التهم للأبرياء وتدعيمها بشهادات الزور وإقرارها بالتعذيب حتى الموت. رأينا هذه الصور التي كنا نهابها ونخافها في أدنى صور الآدمية تخاذلا وانحلالا.
لقد سمعنا من الألفاظ القذرة البذيئة المنحطة ما لم يكن يخطر على بالنا أن نسمعها ممن هو دونهم بكثير.
لقد أسقطوا أنفسهم من نفوسنا فلم نعد نقيم لهم ولأمثالهم وزنا. كانوا يعذبوننا بوسائل غير خليقة وكنا نحن هذا المقام الذليل نشعر بأننا أعز منهم مقاما وأكرم منزلة ذلك لأننا أمام حق وباطل -أمام قوم كذابين منافقين حقا وفعلا وقوم مظلومين محقا وفعلا –لقد تجسمت المعركة تماما وبكل الوضوح- هؤلاء عبدة الطاغوت يعذبوننا بكل الخسة والنذالة ولا ذنب لنا إلا أن نقول (ربنا الله) بأسلوبهم هذا الرخيص الذي لم يراع صلة قرابة ولا قربى ولا رحم وال وطن.
وقد أغلقوا كل أبواب الثقة –لم يسبق لشعب مصر أن تقطعت روابطه الإنسانية التي تميز بها في العالمين –بمثل ما حدث في سجون ومعتقلات عبد الناصر- وكأني به أمر مدروس ومطلوب ليقطعوا أوصال هذا الشعب انتظارا لمؤامرات إبادة خامته البشرية الصالحة، إن من الصعب علينا أن نصدق أن هؤلاء كانوا من بني جلدتنا أو ينتسبون إلينا أو ننتسب إليهم، إنهم بعملهم هذا غرباء عنا أعداء لعقيدتنا وأوطاننا.... لقد تستروا وراء شعاراتهم البراقة ليكيدوا للإسلام والمسلمين.
وليس ما وصلنا إليه من سوء حال في كل شيء إلا دليل لا يحتاج إلى دليل على سوء نيتهم وقصدهم – (إن الله لا يصلح عمل المفسدين).
إن هؤلاء الطغاة قد باعدوا بيننا وبينهم وأتباعهم وأنصارهم –بما أورثونا من كراهية من عمل أيديهم فيما حدث في محنة 1954 وما تبعها من مثلها وأبشع وأشد وأنكى في محنة 1965لولا أن الله تعالى لطف بنا وبدعوتنا ما خرج منا من أحد.
إن هؤلاء الطغاة الجبارين بما صنعت أيديهم لم يتركوا فرصة واحدة لبرد القلوب وراحة النفوس تشفع لهم أو تطيق ذكرهم.
إن حادث المنشية المزيف قد أورثنا الآلام والأحزان والكراهية لأعداء دعوتنا والذين ساهموا وشاركوا في إيذائنا بكل العنف والضراوة. غير مستجيبين لنداء الأخوة والرحمة والإنسانية.
إن هذه الأحزان والآلام ستظل دائما تؤرقنا. ولن يمحوها أو يعزينا عنها سوى قيام دولة الإسلام.
دولة الحق والحرية والقوة.
دولة العدل والإنسانية.
سنظل مشحونين بهذا الألم العبقري الذي يدفعنا إلى تحقيق أسمى الغايات في هذا الوجود (لا إله إلا الله محمد رسول الله).
سيظل هذا الألم العبقري يصرخ في وجداننا أن أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم –هذا الألم العبقري الذي يبني ولا يهدم يجمع ولا يفرق- ويومها فقط يوم تقوم دولة الإسلام –نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اذهبوا فأنتم الطلقاء). أكتوبر 1987.
سبيل أصحاب الدعوات
العقبات في طريقنا: أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثي من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية, وستجدون أ/أمكم كثير من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحدة تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات.
أما الآن فلا زلتم مجهولين ولا زلتم تمهدون للدعوة وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد. سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم
وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، ويستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة, معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴾ ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين ﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .... `أَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصارا الله؟.
لمحَة عَن حَياة الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله
في الثالث عشر من فبراير من كل عام تمر على استشهاد الإمام حسن البنا السنون... حيث اغتاله أعداء الحركة الإسلامية الآثمون في مصر عام 1949م.
وهذه لمحة من حياةالشهيد:
الإمام الشهيد هو حسن بن أحمد بن عبد الرحمن البنا، مؤسس جماعة (الإخوان المسلمون) بمصر، وصاحب دعوتهم، ومنظم جماعتهم، ولد في المحمودية (قرب الإسكندرية) سنة 1324هـ الموافق 1906م، وتخرج بمدرسة دار العلوم بالقاهرة واشتغل بالتعليم، فتنقل في بعض البلدان، متعرفا إلى أهلها مختبرا طباعهم وعاداتهم، واستقر مدرسا في مدينة الإسماعيلية، فاستخلص أفرادا صارحهم بما في نفسه، فعاهدوه على السير معه «لإعلاء كلمة الإسلام» ولقب «بالمرشد العام» فأقاموا بالإسماعيلية أول دار «للإخوان» وبادروا إلى إعلان «الدعوة» بالدروس والمحاضرات والنشرات، وقام المرشد العام بزيارة المدن الأخرى، ووجه بعض ثقاته في رحلات، فما عتم أن أصبح له في كل بلد سعي ليه دار، ودار «الإسماعيلية» مركز قيادة الدعوة، ولم يقتصر على دعوة الرجال، فأنشأ في الإسماعيلية معهد «أمهات المسلمين» لتربية البنات تربية دينية صالحة.
ونقل مدرسا إلى القاهرة فانتقل معه المركز العام ومقر القيادة, ولقي فيها إقبالا على دعوته. وعظم الأمر «الإخوان» وناهز عددهم نصف مليون، وخشي رجال السياسة بمصر اصطدامهم بهم، فحاولوا إبعادهم عن السياسية، فقام المرشد يعرف الإسلام في إحدى خطبه الكثيرة، بأنه: «عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية وسماحة وقوة, وخلق ومادة, وثقافة وقانون» وأنشأ بالقاهرة جريدة (الإخوان المسلمون) يومية، فكانت منبره الكتابي إلى جانب منابره الخطابية.
وحدثت كارثة فلسطين، فكانت كتيبة الإخوان المسلمون فيها من أنشط الكتائب المتطوعة، ونودي بالهدنة, وفي أيدي الإخوان سلاح دربوا على استعماله، وحدثت في القاهرة والإسكندرية أحداث عجزت السلطات القائمة عن معالجتها، فلجأت إلى إقفال أندية الإخوان واعتقال الكثيرين والتضييق على المرشد العام، فتحول الإخوان إلى خلايا سرية تعمل في الخفاء، وتابعت السلطات اعتدائها على جماعة الإخوان، ووصل بها الأمر إلى اغتيال مرشدها العام في شهر فبراير عام 1949، فلقد وجهت إليه أشخاصا مجهولين فاعترضوا المرشد وهو أمام مركز جمعية الشبان المسلمين في القاهرة ليلا، فأطلقوا عليه رصاصهم وفروا، ولم يجد المرشد من يضمد جراحة فتوفي رحمه الله بعد ساعتين.
كان خطيبا فاضا، ينحو منحى الوعظ والإرشاد في خطبه، وتدور آيات القرآن الكريم على لسانه، وكان منظما يعمل في هدوء ويبني في اطمئنان، له مذكرات نشرت بعد وفاته باسم (مذكرات الدعوة والداعية).
ثانيا –بعض ما قيل في الإمام الشهيد :
(الشخصية التي فاجأت مصر والعالم الإسلامي)
«.... وفاجأت تلك الشخصية مصر، ثم العالم العربي والإسلامي كله بدعوتها وتربيتها وجهادها وقوتها الفذة، التي جمع الله فيها مواهب وطاقات قد تبدو متناقضة في عين كثير من علماء النفس والأخلاق، ومن المؤرخين والناقدين، هي: العقل الهائل النير، والفم المشرق الواسع ،والعاطفة القوية الجياشة، والقلب المبارك عنت –في الحياة الفريدة، والحرص وبعد الهمة- دونما كلله –في سبيل نشر الدعوة والمبدأ والنفس والولوعة الطموح والهمة السامقة الوثابة، والنظر النافذ البعيد، والإباء والغيرة على الدعوة، والتواضع في كل ما يخص النفس، تواضعا يكاد يجمع على الشهادة عارفوه، حتى لكأنه –كما حدثنا كثير منهم- مثل رفيق الضياء: لا ثقل ولا ظل ولا غشاوة.
وقد تجلت عبقرية الداعي مع كثرة جوانب هذه العبقرية ومجالاتها، في ناحيتين خاصتين، لا يشاركه فيهما إلا القليل النادر من الدعاة والمربين، والزعماء المصلحين : أولاهما شغفه بدعوته، وإيمانه واقتناعه بها، وتفانيه فيها، وانقطاعه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ووسائله، وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسية للدعاة والقادة الذين يجري الله على أيديهم الخير الكثير والناحية الثانية تأثيره العميق في نفوس أصحابه وتلاميذه، ونجاحه المدهش في التربية والإنتاج، فقد كان منشئ جيل، ومربي شعب، صاحب مدرسة عليمة فكرية خلقية.
لقد فاتني أن أسعد بلقاء في مصر وفي غير مصر، فلما قدر لي أن أزور مصر كانت رحمة الله قد استأثرت به، ولما يجاوز عمره بعد الثانية والأربعين إثر حادث استشهاده الذي أدمى نفوس ملايين المسلمين، وحرم العالم الإسلامي هذه الشخصية التاريخية الفريدة, ولا أزال أتحسر على هذه الخسارة التي كتبت لي....» .
(لم ير المسلمون مثل حسن البنا منذ مئات السنين)
أقولها كلمة حرة ولا بأس براويتها عني، أقول: إن المسلمين لم يروا مثل حسن النبا منذ مئات السنين، في مجموع الصفات التي تحل بها، وخفقت أعلامها على رأسه الشريف. لا أنكر إرشاد المرشدين، وعلم العالمين، ومعرفة العارفين، وبلاغة الخطباء والكاتبين، وقيادة القائدين، وتدبير المدبرين, وحنكة السائسين. لا أنكر هذا كله عليهم من سباقين ولاحقين، لكن هذا التجمع لهذه المتفرقات من الكمالات، قلما ظفر به أحد كالإمام الشهيد رحمه الله.
لقد عرفه الناس وأمنوا بصدقه، وكنت واحدا من هؤلاء العارفين به، والذي أقوله فيه قولا جامعا: هو أنه كان لله بكليته: بروحه وجسده، بقالبه وقلبه، بتصرفاته وتقلبه. كان لله فكان الله له، واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار....
(الرجل الفذ)
«.... لقد قتل حسن البنا يوم قتل والعالم كله أتفه شيء في ناظريه! ماذا خرقت الرصاصات الأثيمة من بدن هذا الرجل؟ خرقت جسدا أضنته العبادة الخاشعة، وبراه طول القيام والسجود، خرقت جسدا غبرته الأسفار المتواصلة في سبيل الله، وغضنت جبينه الرحلات المتلاحقة. رحلات طالما أصغى الملايين إليه فيها وهو يسوق الجماهير بصوته الرهيب إلى الله، ويحشدهم ألوفا في ساحة الإسلام.
لقد عاد القرآن غضا طريًا على لسانه، وبدت وراثة النبوة ظاهرة في شمائله، ووقف هذا الرجل الفذ صخرة عاتية انحسرت في سفحها أمواج المادية الطاغية، وإلى جانبه طلائع لجيل الجديد الذي أفعم قلبه حبا للإسلام، واستمساكا به، وعرفت أوربا أي خطر على بقائها في الشرق إذا بقي هذا الرجل الجليل، فأوحت إلى زبانيتها، فإذا بالإمام الشهيد مدرج في دمه الزكي، وإذا بجيله الذي رباه في المعتقلات..... »
(المثل الأعلى في كل شيء)
«.... كان حسن البنا إمام بكل ما تسع الإمامة من معنى, كان مثلا أعلى في كل شيء: في علمه، في إيمانه، في إخلاصه، في نشاطه، في حدة ذكائه، في دقة ملاحظته، في قلبه الكبير وروحه الطاهرة. كان حسن البنا حجة الله في نفسي على الله أن الإسلام يصنع الرجال، ويحقق المثل العليا، ويصوغ النور المصطفى من لحم ودم. كان عقلا هائلا، وروحا موصولا بالسر الأعلى، لا يفتر عن ذكر الله كان قمة شامخة فيها العلو وفيها الثبات، وفيها قوة الجبل، كان عظيما موفقا لا يخطئ الوجهة. كان رائعا ملأ قلوبنا بحب الله، وأشعل صدرونا بحب الإسلام، وصهرنا في بوتقة طاهرة لا تشوبها شائبة.
قتل حسن البنا في يوم أسود من أيام التاريخ، وفقدت الإنسانية بفقده (إنسانا) قل أن يجود الزمان بمثله، قتل حسن البنا بعد عشرين عاما فضاها في جهاد مرير، متصل الأيام والليالي....».
(