الإسلام والمسلمون الملتزمون بالإسلام

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

الإسلام والمسلمون الملتزمون بالإسلام بقلم الأستاذ عصام العطار

كتبتْ لي سيّدةٌ مسلمةٌ تعيشُ في بلدٍ أوروبيّ تقولُ ما خلاصتُه : إننا نعيش في الْحَيِّ الذي نُقيمُ فيه بشيءٍ من القَلَق ، فبعضُ الناسِ في حَيِّنا ينظرون إلينا وإلى أبنائنا نظرةَ شَكٍّ وريبة ، وربّما عَبّروا عن خوفِهم من الإسلامِ والمسلمينَ تصريحاً أو تلْميحاً ، فالإسلامُ والمسلمونَ عندَهم ، لا يُرجَى منهم أيُّ خَيْرٍ لِلْغَرْب ، ولا يُؤْمَنُ شرُّهمُ وأَذَاهُمْ في الغرب .. فهلِ الإسلامُ والمسلمونَ الملْتَزِمونَ بإسلامِهمْ هم في حقيقةِ أمرِهم كما يَظُّنُّ بِهِمْ أوْ يَتّهِمُهمْ هؤلاء ، وهل يُرَبيّ الإسلامُ أبناءَه حقيقةً على إيذاءِ الآخَرين ، وقَبْضِ أَيْديهِمْ عَمّا ينفعُ البلادَ والعبادَ في البلادِ التي يَعيشونَ فيها مع غير المسلمين ؟! ، أرجو جوابَك على هذا السؤالِ الجارحِ المؤلم

وجوابي القاطِعُ على سؤالِ السيدةِ الكريمة : كلاّ ، بَلْ إنَّ ما يُتَّهَمُ به الإسلامُ والمسلمونَ الملتزمونَ بالإسلامِ يُجَافي الحقيقةَ مجافاةَ النقيضِ للنقيض

وقد ذَكَّرَنَا من قريبٍ أخونَا الجليلُ العلاّمةُ الدكتور محمد لطفي الصبّاغ ، بحديث رسولِ الله r الذي رواه أحمدُ والتِّرمِذِيُّ وابنُ حِبّان :

« أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ ؟ خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ ، وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لاَ يُرْجَى خَيْرُهُ وَلاَ يُؤْمَنُ شَرُّه »

فَخيرُ المسلمينَ بمقياس الإسلامِ من يَبْسُطُ يدَه بالخير ، ويُرْجَى منهُ الخير ، ولا يُخْشَى من جانِبِه الشرّ

وشرُّ المسلمينَ من يُخْشَى من جانبِه الشرّ ، ولا يُرجى منه الخير

ثمَّةَ مقاييسُ وضعَها الإسلامُ للحكمِ على الناسِ والمفاضلةِ بينَ الناس

ومن هذه المقاييسِ موقفُ المسلمِ مِنَ الناس مسلمينَ كانوا أو غيرَ مسلمين

هل يحبُّ لهم الخيرَ ، ويريدُ بِِهِمُ الخيرَ ، ويُقَدِّمُ لهمُ الخير ، أَمْ لا يحبُّ لهم خَيْراً ، ولا يُريد بِهِمْ خيراً ، وربّما نالَهُمْ منهُ الأذَى

المسلمُ بالمواصفاتِ الأُولَى هو المسلمُ الأفضلُ بمقياسِ الإسلام ، وهو الذي يُجَسِّدُ تعاليمَ الإسلامِ ، وأخلاقَ الإسلام ، وما يَرجوه الإسلامُ في أبنائِه ومِنْ أبنائِه ؛ والمسلمُ الآخَرُ بالمواصَفاتِ الأُخرى هو شرُّ المسلمين ، ولا يرضى تَوجُّهَهُ ولا مَسْلَكَهُ الإسلام .

ويَضْطَرِدُ هذا المقياسُ في علاقاتِ المسلمِ بزوجهِ وأهلهِ وأصحابهِ وجيرانهِ وأقربِ الناس إليه ، وعلاقاتهِ بسائرِ البشرِ ، وسائرِ المخلوقات

يقولُ رسولُ الله e :

- « خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي » رواه ابن حبان وابن ماجة والحاكم وكلمةُ (الأهل) تَعْني في العربيّة الزوجةَ ، كما تعني الأقاربَ والعشيرة

ويقول e :

- « خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ » رواه أحمد والترمذي

ويقول e :

- « خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلْنَّاس » رواه الطبراني والدار قطني

ويُفْهَمُ من (الناس) الثانية ما يتجاوزُ حدودَ الزوجةِ والأهلِ والعشيرةِ والأصحابِ والجيرانِ إلى سائرِ البشر

- « الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيالُ اللهِ فأَحبُّهم إليه أنفعُهم لعياله » رواه الطبراني وعبد الرزاق

وهكذا يَعْطِفُ الإسلامُ قلبَ المسلمِ على سائرِ الناس والمخلوقات ، ويجعلُ الأَحَبَّ إلى اللهِ الأحسنَ رِعايةً ونفعاً لِمَنْ خَلَقَ اللهُ ولِمَا خَلَق الله

ولقد وعى سلفُنا الصالحُ هذه المبادئَ والتوجيهاتِ الإسلاميّة ، وعَبَّرَ عنها بعضُهم أوضحَ تعبيرٍ فقال :


وَخَيْـرُ عِبـادِ اللهِ أنفعُهُمْ لَهُمْ


رَواهُ عنِ الأصحـابِ كلُّ فقِيهِ



أما الخيانةُ والغدرُ وإيذاءُ الجيرانِ في السَّكَنِ والوَطَنِ -كما يَتَخَوَّفُ جيرانُ الأختِ الكريمةِ صاحبة السؤال- فمّما يُحَرِّمُهُ الإسلامُ على أبنائِه ، ولا يقبلُه بحالٍ منَ الأحوال


واللهُ تعالى يقول : ) ... وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ( [الإسراء : 34]


ويقول عن المؤمنين المفلحين : ) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ( [المؤمنون : 38]


ويقول :( ... إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ) [الأنفال :58]

( ... إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) [البقرة : 190]


(... إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) [القصص : 77]


(... وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) [آل عمران : 57]


وروى البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة t عنه أن النبي e قال :


-« وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ »


قِيلَ : مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : « الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ » (أي : غوائلَهُ وشُرورَه وأذاه) .


وفي رواية لمسلم : « لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ » وهذا -كما يقول علماؤنا- عَامٌّ في كلِّ جارٍ فَهُوَ يشملُ المسلمَ وغيرَ المسلم .


والمسلم ، بعد كلِّ ما قلناه عن الإسلام ، بَشَرٌ كَغَيْرِهِ من البشر ، فهو يَعْلَمُ ويَجْهلُ ، ويَقْوَى ويَضْعُف ، ويُصيبُ ويُخطِئ ، ويَخْضَعُ لِمَا يَخضعُ له سِواه من العوامل والمؤثِّرات والظروف : ولكنَّ خَطَأَهُ يَقِلّ ، وصَوابَه يَكْثُر ، وعطاءَهُ الإيجابِيَّ يَزْدَادُ ويزدادُ بمقدارِ إيمانهِ بربّهِ ، ومعرفتهِ بدينهِ ، والتزامِهِ بإسلامهِ ، على الصعيد الفرديّ ، والاجتماعيّ ، والصعيد الوطني والإنساني ..


فَعَلى المجتمعاتِ الغَربيّةِ ألاّ تُضَيِّقَ على المسلمينَ في تعلُّم دينِهم ، وممارسةِ حياتهم وشعائرهم ، وألاّ تَخَافَ من المتديّنين الواعينَ المبصرين ، فهؤلاء خيرٌ لهذه المجتمعاتِ ، وأمنٌ لهذه المجتمعاتِ ، وثراءٌ وعطاءٌ على كلّ صعيد


وهنالك أمر لا بدَّ من الإشارة إليه في موضوعنا الذي نتكلم فيه ، وفي كلّ موضوع يتعلّق بالوجود الإسلاميّ في الغرب ، وفي علاقات الإسلام والمسلمين بالعالم ، وشعوب العالم ، وحضاراته المختلفة


هذا الأمر هو عجزُ المسلمين الصارخ ، وقصورُهم المخزي في إيصال حقيقة الإسلام إلى مجتمعاتهم التي يعيشون فيها ، وعالمهم الذي يعيشون فيه ، رغم ما يضعه العصر في أيديهم وأيدي غيرهم من وسائل التقدّم والفعل ، ووسائل الاتصال والتواصل والبيان ؛ ولكن هذا موضوعٌ مصيريٌّ كبيرٌ خطير ، يجب أن نهتمّ به غايةَ الاهتمام ، وأن نستمعَ فيه إلى كثيرين من أصحابِ العلمِ والفكرِ والاختصاصِ الأمناءِ الصادقين