سامر العتيبي يكتب: في نعيم الفوضي والممالك الست
(12/23/2014)
أفاق الشرق الأوسط، منذ أربعة أعوام، على فوضى اجتاحت العروش والقصور كما اجتاحت القلوب والعقول؛ وكأن صرخة أيقظت في صدور الناس إقبالا إلى الموت على أن لا يعيشوا حاضرهم.
اجتاحهم هوس بالماضي ورغبة يائسة في المستقبل. منهم من سلم نفسه لليأس فحمل السلاح وأطلق عنان أحقاده وشياطينه كما حصل في ليبيا، وتمثلت الجثث، واختلط الحق بالباطل كما اختلط الرمل بالدم.
ومنهم من قلب في صفحات الماضي الجميل ليكتب فصلا جديدا، يكون فيه المستقبل أكثر إشراقا من حاضرهم، كما حصل في تونس الخضراء.
وفي وسط هذه الفوضى تقبع جنة الممالك الست. ولأن رخاء الدولة توسعي ورخاء الشعوب إبداعي، استغلت تلك الممالك هذه الفوضى لتوسع رقعة نفوذها وبقيت شعوبها دون أدنى درجات الإبداع والإنتاج الثقافي.
وقبل أيام، أعلن في إحدى الممالك أنها تعيش في أمن وأمان في ظل الفوضى المحيطة بها.
ما لم يسأله الكثير هو لماذا تعيش هذه الممالك في جنة لم تمسها نار الثورات والأزمات؟
الجواب بسيط وهو أن هذه الموجة التي “تنبذ الحاضر وتشتاق للماضي” لم تجد ماضيا تشتاق له في هذه الممالك أو حتى حاضرا يائسا.
قدرة هذه الدول المهولة في تسخير الأموال أنقذتهم من مواجهات مع دول كبرى؛ فلن يستعصي عليها شعوبها.
لذلك لم يكن الحاضر في تلك الممالك أبدا يستدعي اليأس حتى وإن كانت سياساتها على الواقع وإحداث “ما خلف الكواليس” تقودها إلى مستقبل أكثر ظلمة من غيرها.
تحولت الأموال من لبنة بناء للمستقل إلى أداة تستنفذ لسد عيوب الحاضر. ليس إصلاحا لحال الدولة أو العباد؛ بل سد ما ظهر من العيوب.
فمثلا حينما انكشف للعالم تدني مستوى التعليم العالي في إحدى هذه الممالك قام حكماؤها بتخصيص ثروة مهولة لابتعاث أبنائها للخارج، كل أبنائها حتى الذين لا يؤهلهم أداؤهم للقبول في جامعات الدولة السيئة.
في وقت ما زال سوق العمل يعاني من أمراض مزمنة ولا يستطيع أن يستوعب هذه الأعداد الهائلة. سياسات “ترقيع” تسعى لوضع غطاء على المفاسد بدلا عن القضاء عليها.
تعيش هذه الممالك في نشوة اللحظة وعظمتها فيومهم أفضل من غدهم وأمسهم أفضل من يومهم.
ومع تدهور هذه العجلة في منحدر التاريخ تقوم كل هذه الأموال على تهدئة سرعة الانحدار لا غيره دون أدنى محاولة لتفاديه.
فبينما ترفع الدولة رواتب العباد 5% يكون تجاوزت نسبة التضخم الفعلية في الأسعار الـ 10%.
العمود الثاني الذي يقف عليه “الأمن والأمان” الهش لهذه الدول هو عدم وجود تاريخ.
يعتبر الشرق الأوسط في أوساط العامة والأكاديمية فعلا مهد الحضارات، ولم تنقطع الحياة المدنية عن هذه المنطقة منذ قبل الميلاد.
ولكن ما يجهله أو يتجاهله الكثر هو أن هذا المجد العريق الأبدي لا يشمل هذه الممالك الست.
فأرض الممالك، قبل النفط، كانت صحراء قاحلة، أهلها بدو تملكتهم القبلية وغلبتهم حياة البادية التي تقود طموح الإنسان إلى البقاء، وبعيدا عن الإنتاج والإبداع. لذلك لو نظرنا إلى خرائط الدولة الأموية، أو العباسية، أو حتى العثمانية، لا نجد حدودها تضم فعليا كامل الممالك الست، سوى مكة والمدينة وبعض المنافذ البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية.
أيضا لو قارنا بين زيارة لمتحف في أرقى مدن تلك الممالك (دبي مثلا)، لوجدنا أغلب محتوياته تشير إلى حياة كانت تقاوم فيه الناس مشاق الطبيعة بأبسط وسائل البقاء من صيد ورعاية الحيوانات والغزو والحروب. وقبائل حافظت على تسلسلها القيادي لقرون من الزمان.
لا وجود لهيكل اجتماعي حضاري في ذلك الزمان أو أي من مظاهر الحياة المدنية.
فحتى المؤسسات التعليمية والصحية ومؤسسات الدولة الأخرى لم يكن لنا بها عهد قبل 100 عام.
بينما متاحف مصر وسوريا وتونس تحكي عن حضارات قامت وتبدلت على مر التاريخ ولكن لم تنقطع.
فشلت موجة الثورات في تحريك مشاعر الشوق للماضي في شعوب تلك الممالك؛ لأن ليس لديهم ماضيا يتمنون عودته.
لا تمتلك هذه الشعوب خبرة تاريخية في التحولات السياسية لذلك يعتليها خوف من التغيير والتقليب في الكيانات السياسية.
يخافون من المجهول الذي يأتي مع الفوضى. لذلك يفضل أهلها العيش في نشوة الحاضر والانتظار حتى لا يعد الحاضر يطاق. ولكن ما قيمة هذا الانتظار؟
المصدر
- مقال:سامر العتيبي يكتب: في نعيم الفوضي والممالك الست موقع: الشرقية أون لاين