شهداء ثورة يناير .. شباب أراد التغيير (مصطفى الصاوي)

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

قدمت مصر مئات الشهداء لإنجاح ثورة 25 يناير، قتلهم نظام مبارك بكل وحشية وطغيان في محاولة مستميتة للحفاظ على بقائه في سدة الحكم، لكن دماء الشهداء استطاعت اقتلاع النظام وجنوده.

خرج هؤلاء الشباب في المظاهرات باحثين عن حياة كريمة وغد أفضل لبلادهم عامر بالحرية والعدالة الاجتماعية، كثير منهم لا ينتمون إلى حزب أو حركة، وربما لم يقوموا بأي عمل سياسي طوال حياتهم، ولكن حماسهم ورغبتهم في محو ظلام الخوف والقهر دفعهم للمضي قدماً نحو غاياتهم.

مصطفى الصاوي يوم استشهاده يوم ميلاده

"أنا ذاهب لأستشهد غدًا يا أمي، فكيف تريدين مني عدم النزول للمظاهرة؟!".. "سأتزوج غدًا من خارج الدنيا بإذن الله".. تلك كانت آخر كلمات تفوَّه بها الشهيد مصطفى الصاوي، في يوم الخميس 27/1/2011م، قبل استشهاده في الثورة المصرية بـ24 ساعة فقط"!.

الشهيد مصطفى الصاوي، يبلغ من العمر 26 عامًا، وهو خريج كلية التجارة، يقطن بالعقار رقم 18 بشارع الجامع بالحوتية في منطقة العجوزة، ترتيبه الرابع بين إخوته الخمسة: منى (34 عامًا)، وإيهاب (32 عامًا)، ومريم (29 عامًا)، ومروان (10 أعوام).

مصطفى.. إمام مسجد الحصري بالعجوزة، ويؤمُّ المصلين في الكثير من المساجد الأخرى، وهو يحفِّظ القرآن لعشرات الأطفال بالمنطقة، وفي الأسبوع الأخير من حياته كلما عرض عليه أحدٌ الزواج كان يبتسم ويجيبه بيقين تام بأنه سيتزوج قريبًا "من خارج الدنيا"!.

في منزل مصطفى الصاوي، الذي كان ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، بحي العجوزة في القاهرة، فوجدنا والدته تعبر بثبات وصبر عن فخرها الشديد بابنها، ووصفته بأنه ” قدم الدور الحقيقي في الفداء لحماية مصر”.

غرغرت دموع أم الشهيد مصطفى حينما تحدثت عن ابنها: مصطفى كان عمره 26 سنة، يحفظ القرآن غيباً ويرتله بصوت عذب أثناء الصلاة، وشاء القدر أن يكون يوم استشهاده في جمعة الغضب 28 كانون الثاني/ يناير يوم ميلاده، وأضافت الأم أن ابنها مصطفى خرج يوم 25 كانون الثاني/ يناير في طريقه لميدان التحرير، عندما أطلقت عليه قوات الأمن المركزي نحو 25 رصاصة في صدره ووجهه ورقبته قرب قصر النيل.

يقول عنه زوج أخته، محمد عبد الرازق؛ حيث يقول: "مصطفى كان حافظًا لكتاب الله بأكمله، وكان يؤمُّ المصلين في رمضان، وفي غيره من الشهور، وكان يحب الإنشاد بصوته الفائق الجمال، وهو من النوع الذي يحدِّد هدفًا واحدًا فقط في فترة محددة، ويسعى إلى إنجازه بكلِّ ما أوتي من قوة، ثم يبدأ في التوجه إلى هدف آخر وهكذا".

ويتابع: "كثيرًا ما كان يعرض على مصطفى أن تسجَّل له شرائط ويتمَّ تسويقها، إلا أنه كان يرفض بشدة، فكنا نفسِّر ذلك بأن موضوع استغلال صوته الجميل ليس في اهتماماته، إلا أننا بعد استشًهاده أيقنَّا أنه كان لا يحب الشهرة، ولا يرغب أن تحتلَّ جزءًا- ولو ضئيلاً- من قلبه؛ حتى غرفته كان زاهدًا فيها جدًّا، وكان يتعمَّد أن تكون كذلك، فلا يوجد فيها إلا فراشه ومكتبته، ولا يوجد بها سجاد ولا زخارف ولا أشياء كمالية، وأكثر ما يؤلمني هو عدم فهمي وتفسيري لتحركات مصطفى وتفكيره وهو حي، والتي أدركتها بعد فوات الأوان، وأنه ليس تابعًا لدنيا وإنما يريد الله والآخرة فقط".

ويقول إن مصطفى كانت لديه سلامة صدر عالية، وكان مبتسمًا دائمًا في وجه الجميع، ويقابل كل المشكلات ببساطة بالغة.

وتروي والدته آخر لحظات قصتها معه، مشيرةً إلى أن نجلها ظل يوم الأربعاء 26 يناير يتحدث معها كثيرًا، ودار بينهما حوار حول زواجه، فقالت له: "انتهي يا مصطفى من الجيش على خير علشان نخطب لك"، فردَّ عليها: "لا يا أمي، أنا سأتزوج من خارج البلاد"، فقالت له إن بنات الخارج لا يناسبن ثقافتنا"، فقال- وهو مبتسم-: "لا تقلقي يا أمي دول مناسبين جدًّا، وفي غاية الجمال".

وحاولت أمه أن تلتقط أنفاسها، والدموع تنهمر من عينيها بكثافة لتعاود قائلةً: "لم أكن أعرف أنه يقصد بالزواج من خارج البلاد، أنه يقصد الحور العين، وأنه كان على علم بأنه سيُستشهد"، وانخرطت بعدها في بكاء طويل.

وتتذكَّر شريط الذكريات، مشهدًا تلو الآخر، وقالت: "سهرنا معًا يوم الخميس إلى صلاة الفجر، فصلينا، وقلت له بعدها اذهب للنوم لأنك تعبت اليوم جدًّا، ولا تذهب للمظاهرات، فردَّ عليَّ في سرعة بالغة: أنا ذاهب طبعًا لأني سوف أستشهد غدًا بإذن الله، وتبسَّم وذهب للنوم، ووقتها شعرت بانقباض في قلبي، وقد كان ما كان".

وتضيف قائلةً: "وقت صلاة الجمعة، توجَّست أن أوقظه، ففتحت باب غرفته وتأكدت أنه نائم، وتسلَّلت ببطء خوفًا من استيقاظه وذهابه إلى المظاهرات"، إلا أنها لحظات وهبَّ مستيقظًا، وارتدى ملابسه بسرعة بالغة، وذهب مهرولاً إلى صلاة الجمعة دون أن يسلِّم عليها، وكانت جنازته تهرول إلى القبر أيضًا تمامًا كهرولته إلى الله، وهو ذاهب للمظاهرة.

أما أخته مريم فتروي آخر لحظات قصتها مع مصطفى فتقول: "يوم الثلاثاء زارنا بشكل مفاجئ وعجبت لذلك، إلا أنه قال لي جئت لأسلم عليك فقط، وحدث نفس الأمر في يوم الأربعاء، أما يوم الخميس فاتفقت معه أني سأزورهم أنا، ولكن تأخرت فاستعجلني، وكأنه يودِّعنا، ويريد أن يجلس معنا أطول فترة ممكنة".

وتضيف قائلةً: "قال لي يوم الخميس: أنا ذاهب لأستشهد غدًا، فضحكت واعتقدت أن كل ذلك مجرد مزاح"، وتستكمل: "إلا أني أيقنت أن كل تلميحاته السابقة وحركاته؛ كانت نابعة من شخص واثق في استشهاده، فهو بمجرد نزوله للمظاهرة استُشهد، وعلمنا بخبر الوفاة في الرابعة والنصف عصرًا، وأكد إجرامَ الشرطة وجهاز أمن الدولة تقريرُ الطبيب الشرعي، الذي قال إن سبب الوفاة إصابته بطلقات نارية حية".

ويستكمل صديقه محمد قائلاً: "تحركنا من مسجد مصطفى محمود، وأول نقطة احتكَّ بنا الأمن المركزي فيها كانت على كوبري الجلاء؛ حيث ضربنا بالقنابل المسيلة للدموع، وقابلت لواء شرطة اسمه سعيد شلبي، رئيس قسم العجوزة السابق ومساعد وزير حالي، احتكَّ بي قديمًا في الانتخابات، وأصرَّ على طردي من لجنة الفرز ودفعني، واحترمته؛ لأنه رجل كبير في السن، وفي تلك المظاهرة وجدته مصابًا من جرَّاء القنابل بحالة اختناق وملقًى على الأرض، فالتقطته من وسط المواطنين، ونقلته بنفسي أنا ومصطفى إلى مستشفى الشرطة".

ويستكمل قائلاً: "عدت مرةً أخرى للمظاهرة عند كوبري قصر النيل بالقرب من الأوبرا، بعد أن اطمأننت على اللواء، وتوالت إصابات المتظاهرين، فرأيت رجلاً فوق الستين من عمره مصابًا بخراطيش في وجهه، وأخفيت ملامح وجهه بسبب الدماء كأننا في حرب غزة، فرفعناه على مقعد ونقلناه إلى فندق بجوار الأوبرا؛ حيث كان يتم تجميع المصابين، فقابلت صديقًا لي هناك، وقال لي ادع لمصطفى لأنه أصيب إصابة شديدة، فاستغرقت في التفكير هل أترك هذا الرجل المسنّ، وأذهب إلى مصطفى أم ماذا أفعل؟!، وكل ما جال بخاطري أن إصابة مصطفى بسيطة بإذن الله".

ويضيف: "سألت المتظاهرين على مصطفى فقالوا لي: إنهم ذهبوا به إلى مستشفى "الأنجلو أمريكان"، فما إن وصلت وجدت أناسًا يقولون لشقيقي لا تتركوا حقَّه، فجريت إليه وسألته ماذا حدث؟ وحقّ من الذي تتحدثون عنه؟، فقال لي: مصطفى الصاوي استُشهد، وهو أول من استُشهد على كوبري قصر النيل.

أخيرا

الصاوي وزهران وسالي وغيرهم من الشهداء الذين ضحوا من أجل بلادهم وشعبهم أعتقد حتى الان لم يأت حقهم بل ضاع وسط بحور الظلمات التي هبت على الشعب مع الانقلاب العسكري عام 2013م بقيادة عبدالفتاح السيسي.

(إخوان اون لاين)